كتب
أخر الأخبار

نظرية الضمان أو أحكام المسؤولية المدنية والجنائية في الفقه الاسلامي

إعداد الدكتور/ وهبة الزحيلي

نظرية الضمان أو أحكام المسؤولية المدنية والجنائية في الفقه الاسلامي دراسة مقارنة

تقديم

الحمد لله الذي أقام العدل بين الناس،وجعله أساسا في فض المنازعات، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أعلن بكل صراحة مبدا احترام حقوق الإنسان، وحمى النفس والمال والعرض من كل اعتداء.

وبعد: فموضوع هذا الكتاب يبحث في نظرية ضمان الأنفس والأموال بسبب الاعتداء عليها عمدة أو خطأ، مما يؤدي إلى هلاكها أو تلفها ويوجب تعويض صاحبها عنها، حفاظا على الحقوق، وصيانة لها من كل أذى، وتطبيقا لمبدا العدالة الذي قامت عليه شريعة الإله والسماوات والأرض، وجعلته القانون الأبدي الذي يحكم علاقات الناس الاجتماعية، ويستهدفة الحكام والقضاة في قضايا الفصل في الخصومات، لأن للنفوس والأموال حرمة عظيمة عند الله سبحانه،والمال في تقدير صاحبه قرین الروح.

وهذا الموضوع له أهمية كبرى في نطاق الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، لأن أكثر المنازعات تقع فيه، وسؤال العلماء يتردد عنه، حتى إن العالم ليسأل مرارة عن حوادث الإتلاف المتكررة في الحياة الواقعية الجارية بين الكبار والصغار، قائلين: هل يجوز أكل الغرامات؟ وهل يحكم بالتعويض الكامل عن كل ضرر مباشر يلحق المتضرر، سواء أكان ماديا أم معنويا؟ وهل التعويض عيني، أم نقدي؟ وهل يشترط في الإسلام – كما هو مقرر قانونا – أن يكون التعويض مساويا للضرر بحيث يشمل الخسارة التي لحقت المضرور والكسب الذي فاته؟

ذات صلة:مستقبل المسؤولية المدنية

هذه تساؤلات كثيرة حول “الضمان أو التضمين” على حد تعبير فقهاء الإسلام، الذي يقابله عند فقهاء القانون اصطلاح المسؤولية القانونية عن الفعل الضار أو العمل غير المشروع، سواء أكانت مسؤولية تعاقدية أم مسؤولية تقصيرية. والكلام في ذلك يشغل فكري لعدم وجود مصادر مباشرة ميسرة في الموضوع منذ عام 1958 حيث ألقيت محاضرة لانتقاء معيدين في كلية الشريعة بدمشق بتاریخ ۱۱/۱۲ من هذا العام موضوعها “النظرية العامة لضمان اليد” وبعبارة أخرى «الفكرة العامة ليد الأمانة ويد الضمان».

ومن المعلوم أن الفعل الضار أو غير المشروع هو من أهم مصادر الالتزام في الشريعة والقانون المدني، ومصادر الالتزام شرعة خمسة: هي العقد، والإرادة المنفردة، والعمل الضار، والعمل النافع، والشرع، وهي تقابل عند القانونيين: «العقد، والإرادة المنفردة، والعمل غير المشروع، والإثراء بلا سبب، والقانون».

ومثال الإثراء بلا سبب: من أذى دين غيره بأمره، أو اشترى شيئا ثم تبين أنه مستحق لغيره، أو دفع دينا يظنه على نفسه ثم تبين أنه كان بريئة منه، فيرجع على الأمر في المثال الأول، وعلى البائع في المثال الثاني، وعلى الدائن القابض في المثال الثالث.

ذات صلة:المسؤولية المدنية للموثق في التشريع المغربي

وليست المسؤولية الجنائية أقل أهمية من المسؤولية المدنية، بل إنها على العكس أعظم خطورة، وأكبر إثما، وأفحش أثرا، فهي قد تنشا عن جريمة تضر بالمجتمع، والعقوبة فيها على الأكثر – على حد تعبير الشرعيين – من حقوق الله تعالی أي حق المجتمع، أما المسؤولية المدنية فتنشأ عن جريمة لا تمس إلا الفرد المتضرر، والعقاب فيها من حقوق العباد أو الأشخاص، ومن المعروف أن حق الله لا يقبل الإسقاط ولا الإبراء ولا العفو عنه، ولا الصلح والاعتراض عنه،ولا يورث. وأما حقوق الآدميين أو حقوق الأشخاص فهي التي تقبل الصلح والإسقاط والمعارضة عليها والتوارث.

وسأهتم بعون الله تعالى ببيان النواحي العملية والحلول الواقعية لمشكلة التضمين، مفصلا الكلام بالذات على الحالات التي تستوجب الضمان عند فقهاء الشرع، وأما الكلام على النواحي النظرية والمناقشات الفقهية التي تصطبغ بها مؤلفات القانونيين غالبا عند بحث أوضاع المسؤولية التقصيرية وغيرها، فإنه سيكون بقدر محدود حسب مقتضيات البيان الوارد هنا.

ومنهجي في البحث أن أعرض ما عليه فقه المذاهب الأربعة أولا في نظرية الضمان مبينة حالات الاتفاق والاختلاف فيما بينها في أهم المسائل، مع اعتبار المذهب الحنفي هو الأساس العام للأحكام المذكورة، ثم أذكر أوجه الشبه والاختلاف بين الفقه الإسلامي والقانون المطبق في سورية ومصر، مقارنة بينهما على نحو عام، ومبينا سبق الفقهاء الإسلاميين إلى بحث أبرز ما أنتجه الفكر القانوني الحديث، علما بأنه ليس مستغربا وجود اختلاف في الرأي، فإنه للفقه الإسلامي أصالته ونظرته البعيدة واستقلاله عن كل ما عداه من النظم القانونية،
وأما النظريات والآراء القانونية فهي في تغیر و تبدل، ولا يمكن القول بأنها وصلت إلى الذروة المثالية، أو أن الأحكام القانونية لها صفة الخلود والدوام، لذا فإن ما هو قانوني مخالف لفقه الإسلام قد يتفق معه في المستقبل إذا تغيرت آراء فقهاء القانون يوما ما، وإن كان لا مانع أحيانا من الأخذ ببعض النظريات القانونية التي تلتقي مع مقاصد الإسلام العامة، لأن فقه الفقهاء قابل للتطور كما هو معلوم.

ذات صلة:المسؤولية الجنائية للموثق

فمجال المقارنة بين فقهنا العظيم وآراء القانونيين حاصل إذن في حدود ما هو قائم ومطبق فعلا، بقطع النظر عن احتمال تغير القوانين في المستقبل حسب متطلبات التطور والحاجات المتجددة وتبدل النظم السائدة في المجتمع.

هذا وإن استمداد نظرية الضمان في الفقه الإسلامي يمكن أن يتم مما وضعه الفقهاء من قواعد تعد أساسا لمبدأ عام، ومما ذكروه من فروع فقهية في بحوث الغصب والإتلاف والجنايات والديات وعقوبات الجرائم المقدرة وغير المقدرة (أي الحدود والتعازير).

وأملي بالله كبير في أن يكون هذا الكتاب عونا على تذليل الصعاب أمام المحاولات التي يبذلها القانونيون وغيرهم للاستفادة من معین الفقه الإسلامي،والله الموفق وهو المستعان.

نظرية الضمان أو أحكام المسؤولية المدنية والجنائية في الفقه الاسلامي

تحميل الكتاب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى