كتب
أخر الأخبار

شرح القانون المدني الجزء العاشر في التأمينات الشخصية و العينية

تأليف الدكتور - عبد الرزاق أحمد السنهوري-

شرح القانون المدني الجزء العاشر في التأمينات الشخصية و العينية تأليف الدكتور – عبد الرزاق أحمد السنهوري-

السنهوري “هذا هو الجزء العاشر ، والأخير من الوسيط ،
وقد تناولت في هذه الأجزاء العشرة موضوعات التقنين المدني وأتبعت فيها كلها عين الطريقة وذات التحليل . وأحمد الله سبحانه وتعالى على أن مدّ في أجلي ، وأعطاني من القوة ما مكنني من أن أقوم بهذا العمل . وهو عمل طويل المدى
بعيد الغاية ، ولا تنقصني الصراحة في أن أقول إنه اقتضاني كثيراً من الجهد والمشقة . ولئن كان لي أن اختار ، في
الأعمال التي قمتُ بها ، عملين أثنين ، فإني أقدم إلى رجال القانون بالتقنين المدني الجديد وبالوسيط .”

التأمينات الشخصية والتأمينات العينية

كلمة تمهيدية:
1- الدائن العادي له ضمان عام على جميع أموال المدين :

رأينا في الجزء الثاني من الوسيط  فقرة 524  أن الفقرة الأولى من المادة 234 مدني تنص على أن “أموال المدين
جميعها ضامنة للوفاء بديونه” فأموال الدين إذن هي الضمان العام  gage commun للدائنين . ولكن الدائنين يكونون
في هذا الضمان العام ، من الناحية القانونية ، على قدم المساواة . فإذا اتسع لهم جميعاً أموال المدين ، استوفوا
حقوقهم كاملة .

أما إذا لم تتسع لهم أموال المدين ، واتخذوا جميعاً إجراءات التنفيذ على هذه الأموال ، فإنهم يتقاسمونها كل بنسبة
حقه ، فلا يحصل كل منهم إلا على جزء من هذا الحق . وهذا ، كما قدمنا ، إذا استطاع الجميع أن يتخذوا إجراءات
التنفيذ في الوقت المناسب . أما إذا تخلف بعضهم لسبب أو لآخر ، وتقدم الباقون ، فهؤلاء الأخيرون هم الذين يتقاسمون أموال المدين ، فيحصلون على كل حقوقهم أو على بعضها . ولا يبقى للمتخلف مننهم مال يذكر ينفذ عليه بحقه ،
فيضيع عليه هذا الحق .

وللدائن ، بما له من ضمان عام على أموال المدين أن يتخذ طرقاً تحفظياً وطرقاً تنفيذية وطرقاً هي وسط ما بين الطرق التحفظية والطرق التنفيذية . والطرق التحفظية إما طرق يتخذها الدائن في حقه هو كما إذا قطع التقادم بالنسبة إلى
هذا الحق أو قام بقيد رهن ضامن له أو طلب تحقيق إمضاء مدينة على سند الدين ، أو طرق يتخذها بالنسبة إلى أموال المدين كأن يضع الأختام عليها أو يحرر محضر جرد بها أو يتدخل في إجراءات قسمة المال الشائع المملوك لمدينه .

والطرق التنفيذية تكفل بيانها تقين المرافعات ، ويسبق التنفيذ حصول  الدائن على سند تنفيذي titre exeeutoire كحكم
أو ورقة رسمية ، ويكون التنفيذ عادة بالحجز على أموا المدين وبيعها وتوزعي ما ينتج من ذلك عن طرق التقسيم بالمحاصةdistribution par conlribution ، كل دائن بنسبة حقه كما سبق القول .

والطرق الوسطى ما بين التحفظية والتنفيذية ترد جميعها إلى المبدأ العام الذي تقدم ذكره ، وهو أن جميع أموال المدين ضامنة لالتزاماته ، وقد عدد التقنين المدني منها خمسة . الطرق الأول هو الدعوى غير المباشرة ، يدفع بها الدائن عن
نفسه تهاون المدين أو غشه إذا سكت هذا عن المطالبة بحقوقه لدى الغير ، فيباشر الدائن بنفسه حقوق مدينة نيابة
عنه ، وبذل يحافظ على ضمانه العام تمهيداً للتنفيذ بحقه بعد ذلك . والطريق الثاني هو الدعوى البولصية ، يدفع الدائن
بها عن نفسه غش المدين إذا عمد هذا إلى التصرف في ماله إضراراً بحق الدائن ، فيطعن الدائن في هذا التصرف ويعود
المال إلى الضمان العام تمهيداً للتنفيذ عليه .

والطريق الثالث هو دعوى الصورية ، يدفع الدائن بها عن نفسه غش المدين أيضاً إذا عمد هذا إلى التظاهر بالتصرف في
ماله تصرفاً صورياً ، فيطعن الدائن في هذا التصرف ويستبقي بذلك مال المدين في ضمانه العام تمهيداً للتنفيذ عليه .
والطريق الرابع هو الحق في الحبس ، يحبس به الدائن مالا في يده للمدين حتى يستوفي حقاً له مرتبطاً بهذا المال ،
فهو أقوى من إجراء تحفظي لأن الدائن يتخذه تمهيداً للتنفيذ بحقه ، وأضعف من إجراء تنفيذ لان الدائن لا يستوفي منه
بمجرد حبسه مال المدين بل يجب عليه التنفيذ على هذا المال .

والطريق الخامس هو شهر إعسار المدين ، وإجراءات الإعسار هي أيضاً تقوم على فكرة لاضمان العام للدائنين ، وهي
أقوى من الإجراءات التحفظية إذ تغل يد المدين عن التصرف في ماله ، وأضعف من الإجراءات التنفيذية إذ لا تكفي وحدها للوفاء بحق الدائن بل يجب على الدائن اتخاذ إجراءات تنفيذية لاستيفاء حقه من أموال المدين الذي شهر إعساره .

2- الضمان العام للدائن لا يكفي :

على أنه إذا كانت جميع أموال المدين ضماناً عاما للدائن ، وكان هذا منطقياً من الناحية القانونية ، فإنه لا يكفي من
الناحية الفعلية . فقد رأينا أن أموال المدين قد لا تقضي ديونه ، فيضطر الدائن إلى الاقتصار على استيفاء جزء من حقه.
بل قد يضيع عليه حقه إذا تخلف لسبب أو لآخر عن المشاركة في التنفيذ على أموال المدين .

ثم أن الدين قد يتهاون في تقاضي حقوقه من مدينيه ، إما إهمالا أو غشا ، لأن ما يستوفيه من هذه الحقوق ينفذ عليه
دائنوه . وإذا كانت الدعوى غير المباشرة أعطاها القانون سلاحاً للدائن ضد هذا الإهمال أو الغش ، فهي سلاح غير كافٍ.
إذ يجب على الدائن أن يستوفي شروطا معينة لاستعمال هذه الدعوى ، وما ينتج من الدعوى بعد ذلك يتساوى فيه جميع الدائنين ولا يستأثر به الدائن الذي باشر الدعوى ، وقد لا يحصل هذا إلا على جزء من حقه .

وقد يتصرف المدين غشاً في ماله لإخراجه من ضمان دائنيه ، وإذا كانت الدعوى البولصية أعطاها القانون سلاحاً للدائن
ضد هذا الغش ، فهي سلاح غير كافٍ . إذ يشترط فيها توافر شروط كثيرة ، وما ينتج منها يتساوى فيه جميع الدائنين ولا يستأثر به الدائن الذي باشر دعوى الصورية .

وهكذا يستطيع المدين أن يتصرف في أمواله غشاً ، أو يتصرف فيها تصرفاً صورياً ، وان يهمل في تقاضي حقوقه ، ويستطيع
أن يزيد في ديونه إضراراً بدائنيه ، ولا يعصم الدائنين من كل ذلك ما قرره القانون من أن أموال المدين جميعها ضامنة لديونه. ولذلك كان الدائن العادي  creneier chirographaire تحت رحمة مدينه ، لا ملاذ له إلا أمانة هذا المدين ونزاهته ، وإلا يسره وملاءته.

وحتى يستطيع الدائن أن يطمئن إلى استيفاء حقه من مدينه ، يحسن به أن يحصل على تأمينات خاصة لحقه suretes ، فيأمن بها إعسار المدين ،  ويدرأ عنه بها غشه أو إهماله ، إذ أن هذه التأمينات الخاصة تكون عادة كافية للوفاء بحق الدائن كاملا في ميعاد الاستحقاق .

3- التأمينات الخاصة – تأمينات شخصية وتأمينات عينية :

والتأمينات الخاصة نوعان : تأمينات شخصية suretes personnlles وتأمينات عينية suretes relles . فالتأمينات الشخصية
هي ضم ذمة أو أكثر إلى ذمة المدين الأصلي ، فيصبح للدائن بدلا من مدين واحد مدينان أو أكثر ، كلهم مسئولون عن
الدين إما في وقت واحد أو على التعاقب . وبذلك يكفل حق الدائن ، لا ذمة واحدة هي ذمة المدين ، بل أكثر من ذمة.
فإذا أعسر المدين رجع الدائن على غيره من المسئولين الآخرين عن حقه ، وقد يرى في ذلك تأميناً كافياً لحقه . والتأمينات العينية تتلخص في تخصيص مال معين ، يكون عادة مملوكاً للمدين ، لتأمين حق الدائن .

فيكون للدائن حق عيني على هذا المال ، هو حق تبعي accessoire ، ويكفل هذا التأمين العيني الوفاء بحق الدائن، فالدائن يتقدم أولا للدائنين العاديين  droit de preference ، بل والدائنين الأنزال في المرتبة ، في استيفاء حقه من هذا التأمين الخاص، بحيث إذا حجز على هذا المال الأخير وهو لا يزال ملكاً للمدين، تقدم بحقه على جميع الدائنين على الوجه السالف الذكر في استيفاء هذا الحق من الثمن الذي يباع به هذا التأمين، وفي هذا ضمان كاف للدائن ما دام التأمين الخاص مملوكاً للمدين .

فإذا انتقلت ملكية هذا التأمين الخاص من المدين إلى غيره كمشتر ، فان الدائن يتبعه droit de suite في يد من انتقل إليه، ويستطيع أن يحجز عليه وهو في يد الغير ويستوفي منه حقه ، وفي هذا ضمان كاف للدائن إذا خرج التأمين الخاص من
ملكية المدين ،وبذلك يكفل التأمين العيني استيفاء الدائن لحقه منه ، سواء بقي في ملكية المدين أو خرج من هذه
الملكية .والتأمينات ، شخصية كانت أو عينية ، مصدرها في الغالب هو العقد . فالعقد هو المصدر الغالب في التأمينات الشخصية ، وبخاصة عقد الكفالة إذ الكفالة لا تكون إلا بعقد .

وكذلك هو مصدر أهم أنواع التأمينات العينية ، أي الرهن الرسمي والرهن الحيازي . والعقود التي تقرر التأمينات ، شخصية  كانت أو عينية ، تسمى بعقود الضمان contrats de garantie. وقد يكون القانون مصدر التأمينات الخاصة ، كما هو الأمر في التضامن وعدم التجزئة في بعض أحوالهما وفي الدعوى المباشرة وفي حقوق الامتياز . وقد يكون مصدرها القضاء ، كما هو الأمر في حق الاختصاص .

التأمينات كما رأينا توفر ضماناً كافياً للدائن ، وهي في الوقت ذاته تضع تحت يد المدين أداة للثقة والائتمان instrument de credit . إذ هي تمكنه من أن يقدم لدائنه ضماناً كافياً لحقه ، فيستطيع أن يحصل عن هذا الطريق على ما يحتاج إليه من المال مادام قادراً على أن يقدم لدائنه الضمان الكافي .

والائتمان credit من أهم وسائل التعامل ، ولا بد منه في مجتمع متحضر . إذ لا بد من أن يتوافر عند الشخص الوسائل
اللازمة لتحقيق قدرته على تقديم التأمينات الكافية لدائنه من عناصر يسر وملاءة ، فيستطيع بذلك أن ينتفع بكل ما في
حوزته من طاقات مالية ، وأن يحصل على ما يقابل ذلك من المال . وهذا هو الائتمان الذي تتميز به المجتمعات المتحضرة،
فلا بد في هذه المجتمعات من أن تنمو وسائل الائتمان وتقوى ، ليس فحسب لفائدة الدائن ، بل أيضاً وبوجه خاص لفائدة المدين نفسه.

وإذا لم توجد وسائل الائتمان والتأمينات الخاصة ، كان تفضيل دائن على آخر موكولا للصدف ، أو لسرعة المبادرة من قبل الدائن ، أو لتواطؤ المدين مع بعض الدائنين دون الآخرين ، أو لهذه الأسباب جميعاً ، أو لغيرها من الأسباب.

الجزء الثالث
الجزء السابع 
الجزء التاسع

تحميل الكتاب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى