كتب
أخر الأخبار

نظرية الالتزام بوجه عام _الاثبات_ اثار الالتزام_{الجزء الثاني}

نظرية الالتزام بوجه عام _الاثبات_ اثار الالتزام_{الجزء الثاني}،تأليف العلامة (عبد الرزاق أحمد السنهوري).

إقامة نظرية الإلتزام على فكرة التصرف القانونـي والواقعة القانونية

1_ التصرف القانوني والواقعة القانونية والتمييز فيما بينهما: إتجـه الفقـه الحديث إلى العناية بالتمييز
بين التصرف القانوني (acte juridique) والواقعـة القانونية أو المادية (fait juridique, mqteriel) بعد أن أحس الأهمية البالغة لهذا التمييز.

فالتصرف القانونى هو الإرادة تتجه إلى إحداث أثر قانونى معين ، فيرتب القانون عليها هذا الأثر. مثل ذلك
العقد ، فهو تصرف قانونى يقوم على تطابق إرادتين ، وقد ينشئ الحقوق الشخصية أو يكسب الحقوق
العينية . ومثل ذلك أيضا
الوصية ، فهى تصرف قانونـى يقوم على إرادة منفردة ، ويكسب الحقوق العينية . والوفاء والإبراء ، الأول
تصرف قانونى يقوم على تطابق إرادتين ، والثانى تصرف قانونى يقوم على إرادة منفـردة ، وكلاهما يقضى الحقوق الشخصية والنزول عن حق انتفاع أو حق ارتفاق أو حق رهـن ، وهو إرادة منفردة ، يقضى الحقوق
العينية وإجازة العقد القابل للإبطال وقبول المنتفع لما إشترط فى مصلحتـه، وإقرار رب العمل لتصرف

الفضولى ، كل هذه تصرفـات قانونيـة ، وفيها جميعا نرى إرادة منفردة تتجه لإحداث أثر قانونى : تصحيـح
العقـد القابـل للإبطـال ، أو تأكيد الحق الشخصى الناشئ من الاشتراط لمصلحة الغير وجعله غير قابل
للنقـص ، أو تحويـل الفضولـى إلـى وكيـل ، ونـرى من ذلـك أن التصـرف القانوني ، سواء قام علـى تطابـق
إرادتيـن أو قـام عـلى إرادة منفـردة ، قـد ينشئ $2الحقوق الشخصية ، وقد يكسب الحقوق العينية.
وقد يقضيها جميعاً ، وقد يرتب آثاراً قانونية أخرى

والواقعة القاونية هى واقعة مادية يرتب القانون عليها أثراُ . وقد رأينا فى الجزء الأول من هذا الكتاب أنها
قد تكون واقعة طبيعية لا دخل لإرادة الإنسان فيها كالموت ، وقد تكون واقعة إختيارية حثت بإرادة الإنسان
كالبناء والغراس . وإذا كانت واقعة إختيارية ، فقد يقصد الإنسان من ورائها إحداث الأثر القانونى المترتب
عليها كالاستيلاء والحيازة وقد لايقصد الإنسان من ورائها إحداث الأثر القانونى المترتب عليها كالاستيلاء
والحيازة ، وقد لا يقصد هذا الأثر كدفق غير المستحق ، وقد يقصد عكس هذا الأثر كالعمل غير المشروع .

وسواء كانت الواقعة القانونية طبيعية أو إختيارية ، وسواء قصد أثرها القانونى أو لم يقصد أو قصد عكسه ،
فهى دائما واقعة مادية ، وليست إرادة كما هى الحال فى التصرف القانونى . وقد تنشئ الواقعة القانونية الحقوق الشخصية ، كما هو الأمر فى العمل غير المشروع والإثـراء بلا سبب . وقـد تكسب الحقـوق العينية ،
كما هو الأمـر فى الحيازة والمـوت.

( الميراث) وقد تقضى الحقوق الشخصية ، كما فى إتحاد الذمة . وقد تقضى الحقوق العينية ، كما فى الترك (abandon) . وقد تحدث آثاراً قانونية أخرى ، كما فى القرابة وهى مانع من موانع الزواج ، وفى الجوار ويحد من إستعمال حق الملكية .
وفى نزع الحيازة وتيرتب عليه قطع التقادم ، وفى حالة القصر ويترتب عليها وقف التقادم ، وفى إلحاق المنقول بالعقار لخدمته ويحول المنقول إلى عقار بالتخصيص . فالواقعة القانونية ، كالتصرف القانونى ، قد ينشئ
الحقوق الشخصية .
وقد كسب الحقوق العينية ، وقد يقضيها جمعيـاً ، وقد يرتب آثار قانونية أخرى.

2ـ التصرف القانونى والواقعة القانونية هما المصدران اللذان ينشئان كل الحقوق وكل الروابــط القــانونيـة : رأينا فيما قدمناه كيف أن التصرف القانونى والواقعة القانونية يمتدان إلى آفاق واسعة ، ويحلقان فى جميع
نواحى القانون .
فهما المصدران اللذان ينشئان الحق الشخصى ، هما المصدران اللذان يكسبان الحق العينى ، وهما اللذان يقضيان كلا من الحق الشخصى والحق العينى ، ويرتبان فوق ذلك آثاراً أخرى غير كسب الحقوق وقضائها .
ولا ينحصر أثرهما فى دائرة المعاملات المالية ، بل يجاوزها إلى دائرة الأحوال الشخصية . ولا يقفان عند
حدود القانون الخاص ، بل إن لهما أثراً بالغ الأهمية فى ميدان القانون العام . فأية ناحية من نواحى القانون استعرضتها إلا وتجد التصرف القانونى

جمعيه يتلخص فى مسألتين : الحق ومصدره . وإلى اليوم نحن نرتب مسائل القانون من ناحية الحق ،
فنجعل هذه المسائل تتجمع حول الحق اشخصى وحول الحق العينى ، ونقسم مباحث القانون إلى قسمين رئيسيين ، أحدهما يتناول نظرية الالتزام والعقود أى الحقوق الشخصية ، والأخر يتعلق بالحقوق العينية من
أصلية وتبعية .

وهذا هو الترتيب التقليدى الذى جرى عليه التقنين المدنى الجديد . فهل حان الوقت لنختط
خطة أخرى ، فنرتب مسائل القانون من ناحية مصدر الحق ، لا من ناحية الحق ذاته ؟ ومصدر الحق هو
التصرف القانونى والواقعة القانونية كما رأينا ، فتتوزع جميع مسائل القانون عليهما ، وتنقسم مباحث القانون
إلى قسمين رئيسيين غير القسمين الأولين ، أحدهما يختص بنظرية التصرف القانونى والآخر بنظرية الواقعة القانونية ؟

هذا ما ينادى به بعض الفقهاء ، وما حاوله فى مدى ضيق محدود ، وفى غير حظ كبير من التوفيق. وقبل
أن تتخذ موقفاً فى هذه المسألة الدقيقة ، ننظر كيف يكون ترتيب مسائل القانون إذا نحن أقمنا هذا الترتيب
على فكرة التصرف القانونى والواقعة القانونيـة .

3ـ ترتيب مسائل القانون على أساس فكرة التصرف القانوني والواقعة القانونية :

ونرسم هنا الخطوط الرئيسية لترتيب جديد لمسائل على أساس فكرة التصرف القانونى والواقعة القانونية ،
بدلا من قيامه على فكرة الحق الشخصى والحق العينى ، لنرى ما يؤدى إليه هذا التقسيم الجديد من
النتائج .

وقد سبق أن رسمنا الخطوط الرئيسية لهذا الترتيب الجديد على النحو الآتى :

تقسم مسائل القانون المدنى فى المعاملات إلى قسمين رئيسيين : القسم الأول فى التصرف القانونى والقسم الثانى فى الواقعة القانونية . ويتفرع كل من هذين القسمين إلى بابين : الباب الأول فى أركان التصرف أو أركان الواقعة ، والباب الثانى فى آثار كل منهما .

وتعالج فى باب أركان التصرف القانونى المسائل الآتية (1) الإرادة ومظهر التعبير عنها ـ الإرادة الباطنة والإرادة الظاهرة (2) الشكل (3) الأهلية (4) عيوب الإرادة (5) أوصاف الإرادة من شرط وأجل وتضامن وعدم قابلية للانقسام (6) المحل وتعدده من محل تخييرى ومحل بدلى (7) السبب ، وهنا يدرس التصرف المجرد (8)
إثبات التصرف القانونى.

وتعالج فى باب آثار التصرف القانونى : ( ا ) الآثار بالنسبة إلى الأشخاص ( ب ) الآثار بالنسبة إلى
الموضوع . وفى الآثار بالنسبة إلى الأشخاص تعالج المسائل الآتية : (1) النيابة فى التعاقد (2) الاشتراط لمصلحة الغير والتعهد عن الغير (3) الخلف الخاص (4) الخلف العام (5) الدائن ـ وفى الآثار بالنسبة إلى
الموضوع تعالج المسائل الآتية : (1) إنشاء الإلتزام ( العقد والإرادة المنفردة ) (2) نقل الالتزام ( حوالة الحق وحوالة الدين ) .

(3) إنهاء الالتزام ، ويبحث هنا الوفاء ( بما يتضمنه من تنفيذ عينى وتعويض وإكـراه مالى )
كما يبحث التجديد والإبراء ، لأن هذه الأسباب الثلاثة لانقضاء الالتزام هى تصرفات قانونية (4) إنشاء الحق
العينى ونقله وإنهاؤه ( العقد والوصية والتنازل ) (5) أى أثر قانونى آخر كالآثار التى تترتب على الأعذار ّ
والأجازة وإقرار العقد.

وتعالج فى باب أركان الواقعة القانونية المسائل الآتية : (1) التمييز الدقيق ما بين الواقعة القانونية والتصرف القانونى (2) الوقائع البسيطة والمركبة والمختلطة (3) محاولة حصر الوقائع القانونية (4) إثبات
الواقعة القانونية.

4ـ مزايا هذا الترتيب وعيوبه :

ولا شك فى أن هذا الترتيب الجديد يحدث انقلاباً خطيراً فى الخطط المألوفة لمعالجة هذه المسائل. فهناك مسائل تقاربت بعد أن كانت متباعدة ، كما هو الأمر فى الجمع ما بين الإرادة وأوصافها من شرط وأجل
وتضامن وعدم قابلية للانقسام .

وكما هو الأمر فى التقريب ما بين المحل وتعدده من محل تخييرى ومحل بدلى ، وفى هذا كله وضوح أكبر . وهناك مسائل تباعدت بعد أن كانت متقاربة ، كما هو الأمر فى التباعد ما بين مصادر الالتزام إذ العقد والإرادة المنفردة يعالجان فى التصرف القانونى والعمل غير المشروع والإثراء بلا سبب يعالجان فى الواقعة القانونية ، وفى هذا تنسيق أدق ، وكما هو الأمر فى التباعد ما بين اسباب انقضاء الالتزام فالوفاء والتجديد والإبراء
أسباب انفصلت عن أسباب أخرى مماثلة هى المقاصة واتحاد الذمة واستحالة التنفيذ والتقادم ،

وهذا التشتيت لأجزاء الموضوع الواحد ينطوى على شئ من الغموض ز ومن ثم كانت هذه التغييرات
الأساسية من شأنها ،كما قدمنا ، أن تطمس معالم النظريات المأولفة . وهى تختلف فى حظها من
التوضيح ، فبعضها يجعل الغامض واضحاً ، وبعضها يقلب الواضح غامضاً على أن شيئاً فـى وسـط هذه
التحويرات الخطـيرة يبرز فـى وضوح .

هو أنه لا يمكن الاستغناء مطلقاً عن نظرية للالتزام فـى ذاته ، لنبين حقوق الدائن فى أموال مدينه ،
ولتقرر أن مجموع هذه الأموال ضمان عام للدائن ، ولتحدد ما للدائن من دعاوى بالنسبة إلى هذه الأموال .
كما لا يمكن الاستغناء عن استعراض الحقوق العينية ، الأصلية منها والتبعية ، حقاً حقاً ، لتقرير مقومات كل
حق وخصائصه وآثاره.

ونحن ممن يؤمنون بأن نظرية التصرف القانونى والواقعة القانونية لا بد من صياغتها نظرية شاملة تنتظم جميع نواحى القانون ، بل نحن من العاملين على ذلك والمساهمين فيه بما فى الجهد من طاقة . ولكن حتى
اليوم لم يوفق الفقه المصرى ولا الفقه الفرنسى إلى صياغة هذه النظرية . لذلك لا نرى بداً ـ فى الحالة
الحاضرة للفقه ـ من إلتزام الترتيب التقليدى لمسائل القانون ، وإقامة هذا الترتيب على فكرة الحق الشخصى والحق العينى لا على فكرة التصرف القانونى والواقعة القانونية .

وهذا ما جرينا عليه فى الجزء الأول من هذا الكتاب ، فعالجنا مصادر الالتزام ، وجمعنا فى صعيد واحد ما بين التصرف القانونى فى العقد والإرادة المنفردة
وبين الواقعة القانونية فى العمل غيرالمشروع والإثراء بلا سبب.

2_ الرجوع إلى التقسيم التقليدى ـ مصادر الالتزام والالتزام فى ذاته:

نظرية الالتزام ـ مصادر الالتزام والالتزام فى ذاته :
سنبقى إذن أمناء على التقسيم التقليدى ، ما دامت نظرية التصرف القانونى والواقعة القانونية لم تتم صياغتها .
فالمعاملات المدنية تدور كلها حول قسمين رئيسيين : الحق الشخصى (نظرية الالتزام) والحق العينى .
ونظرية الالتزام بدورها تتناول مصادر الالتزام ـ وقد فرغنا من معالجتها ـ ثم الالتزام فى ذاته ، وهو ما
نعالجه الآن .

الالتزام فى ذاته : والالتزام فى ذاته ـ مجرداً عن مصدره ـ هو موضوع دراستنا فى الجزئين الثانى والثالث
من هذا (الوسيط) .

ذلك أن الالتزام ـ أيا كان مصدره ـ يمكن النظر إليه فى ذاته من حيث إنه يولــد آثاراً قانونية ، سواء فى صورته البسيطة أو فى صورة أخـرى معدلـة بما يلحـقه مـن الأوصاف ، ومن حيث جواز انتقاله من دائن إلى دائن
أو من مدين إلى مدين .
ومن حيث انقضاؤه فإن مصير كل التزام إلى الزوال . وقيل هذا وذاك يجب إثبات الالتزام إذا وقع فيه نزاع حتى يتمكن الدائن من المطالبة به .
فيجتمع لنا إذن أقسام خمسة : (1) آثار الالتزام (2) أوصاف الالتزام (3) انتقال الالتزام (4) انقضاء الالتزام (5) إثبات الالتزام.

7ـ تقديم قسم الإثبات : ونبدأ بقسم الإثبات ، ثم تعقبه الأقسام الأخرى .

وقد قدمنا الإثبات على غيره من الأقسام ـ خلافاً للمألوف لأن الإثبات إنما ينصب على مصادر الالتزام لا على الالتزام ذاته . وقد فرغنا من معالجة هذه المصادر ، فيكون منطقياً أن نعالج عقب ذلك مباشرة طرق إثباتها .
بل إن الإثبات لا ينصب على مصادر الالتزام فحسب ، إذاهو يتناول التصرف القانونى والواقعة القانونية فى مجموعهما وفيما يترتب عليهما من توليد جميع الآثار القانونية فى كل نواحى القانون . فنظرية الإثبات إذا
نظرية عامة ، مثلها فى ذلك مثل التصرف القانونى والواقعة القانونية . ومكانها الطبيعى إنما هو فى القسم
العام من التقنين .

فإذا لم يتيسر ، لأسبـاب عمليـة سيأتـى ذكرهــا ، معالجتها فى مكانها الطبيعى ،
ولم يتيسر كذلك معالجتها قبل نظرية الالتزام ـ وقد كان هذا أيضاً منطقياً إذ هى تتناول إثبات الحقوق
الشخصية والحقوق العينية على السواء ـ فلا أقل من معالجتها ، بعد أن وضعت فى نظرية الالتزام ،
عقب مصادر الالتزام ، طبيعياً ، قبل أن نتكلم فى آثار الالتزام وأوصافه وانتقاله وانقضائه ، أن نبين كيف
يثبت وجود هذا الالتزام إذا نوزع فيه .

فالترتيب الذى سنجرى عليه فى معالجة هذه الأقسام الخمسة هو إذن البدء ، بالإثبات ، ويعقبه الآثار
فالأوصاف فالانتقال فالانقضاء . وحن فى هذا نتابع تبويب التقنين المدنى الجديد ، فيما عدا تقديم قسم
الإثبات على الأقسام الأخرى للاعتبارات التى قدمناها .

8 ـ موضوعات هذا الجزء الثانى من الوسيط  وقد كان منطقياً ان نجمع هذه الأقسام الخمسة فى جزء
واحد ، لنقابل بذلك مصادر الالتزام ، وقد عولجت فى الجزء الأول ، بالالتزام فى ذاته ويتناول هذه الأقسام الخمسة . ولكننا تبينا أن جزئاً واحداً يضيق بجميع هذه الأقسام . فلم يسعنا إلا أن نفرد الجزء الثانى من
الوسيط لقسمين منها ـ قسم الاثبات وقسم الآثار ـ مرجئين الأقسـام الثلاثـة الأخـرى ـ الأوصـاف والانتقـال والانقضـاء ـ لمعالجتها فى الجزء الثالث.

خطة البحث:

9ـ نقدم للإثبات بنظرة عامة فى تعريفه ومكانه فى القانون والمبادئ الرئيسية التى تقوم عليها قواعده . ونستعرض فى القسم الثانى من هذه المقدمة مسائل الإثبات الثلاث : محل الإثبات ومن يحمل عبئه وطرقه المختلفة . فإذا ما تهيأت للقارئ فكرة عامة عن الإثبات فى جملته ، عالجنا مسائله بالتفصيل فى أبواب ثلاثة . نبحث فى الباب الأول منها الكتابة ، وفى الباب الثانى البينة والقرائن القضائية ، وفى الباب الثالث الإقرار
واليمين والقرائن القانونية ويدخل فيها حجية الأمخر المقضى . وسنبين فى نهاية المقدمة الأساس الذى
يقوم عليه هذا التبويب .

تحميل الكتاب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى