كتب
أخر الأخبار

محاضرات في نظرية العقد

إعداد الدكتور-محمد الربيعي-

محاضرات في نظرية العقد إعداد الدكتور-محمد الربيعي-

 

التصرف القانونى هو الإرادة تتجه إلى إحداث أثر قانونى معين ، فيرتب القانون عليها هذا الأثر. مثل ذلك
العقد ، فهو تصرف قانونى يقوم على تطابق إرادتين ، وقد ينشئ الحقوق الشخصية أو يكسب الحقوق العينية . ومثل ذلك أيضا الوصية ، فهى تصرف قانونـى يقوم على إرادة منفردة ، ويكسب الحقوق العينية . والوفاء والإبراء ، الأول تصرف قانونى يقوم على تطابق إرادتين ، والثانى تصرف قانونى يقوم على إرادة منفـردة ، وكلاهما يقضى الحقوق الشخصية والنزول عن حق انتفاع أو حق ارتفاق أو حق رهـن ، وهو إرادة منفردة ، يقضى الحقوق العينية وإجازة العقد القابل للإبطال وقبول المنتفع لما إشترط فى مصلحتـه، وإقرار رب العمل لتصرف الفضولى ، كل هذه تصرفـات قانونيـة ، وفيها جميعا نرى إرادة منفردة تتجه لإحداث أثر قانونى :

تصحيـح العقـد القابـل للإبطـال ، أو تأكيد الحق الشخصى الناشئ من الاشتراط لمصلحة الغير وجعله غير قابل للنقـص ، أو تحويـل الفضولـى إلـى وكيـل ، ونـرى من ذلـك أن التصـرف القانوني ، سواء قام علـى تطابـق إرادتيـن أو قـام عـلى إرادة منفـردة ، قـد ينشئ $2الحقوق الشخصية ، وقد يكسب الحقوق العينية. وقد يقضيها جميعاً ، وقد يرتب آثاراً قانونية أخرى.

والواقعة القاونية هى واقعة مادية يرتب القانون عليها أثراُ . وقد رأينا فى الجزء الأول من هذا الكتاب أنها قد تكون واقعة طبيعية لا دخل لإرادة الإنسان فيها كالموت ، وقد تكون واقعة إختيارية حثت بإرادة الإنسان كالبناء والغراس . وإذا كانت واقعة إختيارية ، فقد يقصد الإنسان من ورائها إحداث الأثر القانونى المترتب عليها كالاستيلاء والحيازة وقد لايقصد الإنسان من ورائها إحداث الأثر القانونى المترتب عليها كالاستيلاء والحيازة ، وقد لا يقصد هذا الأثر كدفق غير المستحق ، وقد يقصد عكس هذا الأثر كالعمل غير المشروع .

وسواء كانت الواقعة القانونية طبيعية أو إختيارية ، وسواء قصد أثرها القانونى أو لم يقصد أو قصد عكسه ، فهى دائما واقعة مادية ، وليست إرادة كما هى الحال فى التصرف القانونى . وقد تنشئ الواقعة القانونية الحقوق الشخصية ، كما هو الأمر فى العمل غير المشروع والإثـراء بلا سبب . وقـد تكسب الحقـوق العينية ، كما هو الأمـر فى الحيازة والمـوت.

( الميراث) وقد تقضى الحقوق الشخصية ، كما فى إتحاد الذمة . وقد تقضى الحقوق العينية ، كما فى الترك (abandon) . وقد تحدث آثاراً قانونية أخرى ، كما فى القرابة وهى مانع من موانع الزواج ، وفى الجوار ويحد من إستعمال حق الملكية .
وفى نزع الحيازة وتيرتب عليه قطع التقادم ، وفى حالة القصر ويترتب عليها وقف التقادم ، وفى إلحاق المنقول بالعقار لخدمته ويحول المنقول إلى عقار بالتخصيص . فالواقعة القانونية ، كالتصرف القانونى ، قد ينشئ الحقوق الشخصية . وقد كسب الحقوق العينية ، وقد يقضيها جمعيـاً ، وقد يرتب آثار قانونية أخرى.

2ـ التصرف القانونى والواقعة القانونية هما المصدران اللذان ينشئان كل الحقوق وكل الروابــط القــانونيـة : رأينا فيما قدمناه كيف أن التصرف القانونى والواقعة القانونية يمتدان إلى آفاق واسعة ، ويحلقان فى جميع نواحى القانون .
فهما المصدران اللذان ينشئان الحق الشخصى ، هما المصدران اللذان يكسبان الحق العينى ، وهما اللذان يقضيان كلا من الحق الشخصى والحق العينى ، ويرتبان فوق ذلك آثاراً أخرى غير كسب الحقوق وقضائها . ولا ينحصر أثرهما فى دائرة المعاملات المالية ، بل يجاوزها إلى دائرة الأحوال الشخصية . ولا يقفان عند حدود القانون الخاص ، بل إن لهما أثراً بالغ الأهمية فى ميدان القانون العام . فأية ناحية من نواحى القانون استعرضتها إلا وتجد التصرف القانونى.

جمعيه يتلخص فى مسألتين : الحق ومصدره . وإلى اليوم نحن نرتب مسائل القانون من ناحية الحق ، فنجعل هذه المسائل تتجمع حول الحق اشخصى وحول الحق العينى ، ونقسم مباحث القانون إلى قسمين رئيسيين ، أحدهما يتناول نظرية الالتزام والعقود أى الحقوق الشخصية ، والأخر يتعلق بالحقوق العينية من أصلية وتبعية .

وهذا هو الترتيب التقليدى الذى جرى عليه التقنين المدنى الجديد . فهل حان الوقت لنختط خطة أخرى ، فنرتب مسائل القانون من ناحية مصدر الحق ، لا من ناحية الحق ذاته ؟ ومصدر الحق هو التصرف القانونى والواقعة القانونية كما رأينا ، فتتوزع جميع مسائل القانون عليهما ، وتنقسم مباحث القانون إلى قسمين رئيسيين غير القسمين الأولين ، أحدهما يختص بنظرية التصرف القانونى والآخر بنظرية الواقعة القانونية ؟

هذا ما ينادى به بعض الفقهاء ، وما حاوله فى مدى ضيق محدود ، وفى غير حظ كبير من التوفيق. وقبل أن تتخذ موقفاً فى هذه المسألة الدقيقة ، ننظر كيف يكون ترتيب مسائل القانون إذا نحن أقمنا هذا الترتيب على فكرة التصرف القانونى والواقعة القانونيـة .

3ـ ترتيب مسائل القانون على أساس فكرة التصرف القانوني والواقعة القانونية :

ونرسم هنا الخطوط الرئيسية لترتيب جديد لمسائل على أساس فكرة التصرف القانونى والواقعة القانونية ،بدلا من قيامه على فكرة الحق الشخصى والحق العينى ، لنرى ما يؤدى إليه هذا التقسيم الجديد من النتائج .

وقد سبق أن رسمنا الخطوط الرئيسية لهذا الترتيب الجديد على النحو الآتى :

تقسم مسائل القانون المدنى فى المعاملات إلى قسمين رئيسيين : القسم الأول فى التصرف القانونى والقسم الثانى فى الواقعة القانونية . ويتفرع كل من هذين القسمين إلى بابين : الباب الأول فى أركان التصرف أو أركان الواقعة ، والباب الثانى فى آثار كل منهما .

وتعالج فى باب آثار التصرف القانونى : ( ا ) الآثار بالنسبة إلى الأشخاص ( ب ) الآثار بالنسبة إلى الموضوع . وفى الآثار بالنسبة إلى الأشخاص تعالج المسائل الآتية : (1) النيابة فى التعاقد (2) الاشتراط لمصلحة الغير والتعهد عن الغير (3) الخلف الخاص (4) الخلف العام (5) الدائن ـ وفى الآثار بالنسبة إلى الموضوع تعالج المسائل الآتية : (1) إنشاء الإلتزام ( العقد والإرادة المنفردة ) (2) نقل الالتزام ( حوالة الحق وحوالة الدين ) .

(3) إنهاء الالتزام ، ويبحث هنا الوفاء ( بما يتضمنه من تنفيذ عينى وتعويض وإكـراه مالى ) كما يبحث التجديد والإبراء ، لأن هذه الأسباب الثلاثة لانقضاء الالتزام هى تصرفات قانونية (4) إنشاء الحق العينى ونقله وإنهاؤه ( العقد والوصية والتنازل ) (5) أى أثر قانونى آخر كالاثار التى تترتب على الأعذار  والأجازة وإقرار العقد.

وتعالج فى باب أركان الواقعة القانونية المسائل الآتية : (1) التمييز الدقيق ما بين الواقعة القانونية والتصرف القانونى (2) الوقائع البسيطة والمركبة والمختلطة (3) محاولة حصر الوقائع القانونية (4) إثبات الواقعة القانونية.

4ـ مزايا هذا الترتيب وعيوبه :

ولا شك فى أن هذا الترتيب الجديد يحدث انقلاباً خطيراً فى الخطط المألوفة لمعالجة هذه المسائل. فهناك مسائل تقاربت بعد أن كانت متباعدة ، كما هو الأمر فى الجمع ما بين الإرادة وأوصافها من شرط وأجل وتضامن وعدم قابلية للانقسام .

وكما هو الأمر فى التقريب ما بين المحل وتعدده من محل تخييرى ومحل بدلى ، وفى هذا كله وضوح أكبر . وهناك مسائل تباعدت بعد أن كانت متقاربة ، كما هو الأمر فى التباعد ما بين مصادر الالتزام إذ العقد والإرادة المنفردة يعالجان فى التصرف القانونى والعمل غير المشروع والإثراء بلا سبب يعالجان فى الواقعة القانونية ، وفى هذا تنسيق أدق ، وكما هو الأمر فى التباعد ما بين اسباب انقضاء الالتزام فالوفاء والتجديد والإبراء أسباب انفصلت عن أسباب أخرى مماثلة هى المقاصة واتحاد الذمة واستحالة التنفيذ والتقادم ،

وهذا التشتيت لأجزاء الموضوع الواحد ينطوى على شئ من الغموض ز ومن ثم كانت هذه التغييرات الأساسية من شأنها ،كما قدمنا ، أن تطمس معالم النظريات المأولفة . وهى تختلف فى حظها من التوضيح ، فبعضها يجعل الغامض واضحاً ، وبعضها يقلب الواضح غامضاً على أن شيئاً فـى وسـط هذه التحويرات الخطـيرة يبرز فـى وضوح .

هو أنه لا يمكن الاستغناء مطلقاً عن نظرية للالتزام فـى ذاته ، لنبين حقوق الدائن فى أموال مدينه ، ولتقرر أن مجموع هذه الأموال ضمان عام للدائن ، ولتحدد ما للدائن من دعاوى بالنسبة إلى هذه الأموال . كما لا يمكن الاستغناء عن استعراض الحقوق العينية ، الأصلية منها والتبعية ، حقاً حقاً ، لتقرير مقومات كل حق وخصائصه وآثاره.

ونحن ممن يؤمنون بأن نظرية التصرف القانونى والواقعة القانونية لا بد من صياغتها نظرية شاملة تنتظم جميع نواحى القانون ، بل نحن من العاملين على ذلك والمساهمين فيه بما فى الجهد من طاقة . ولكن حتى اليوم لم يوفق الفقه المصرى ولا الفقه الفرنسى إلى صياغة هذه النظرية . لذلك لا نرى بداً ـ فى الحالة الحاضرة للفقه ـ من إلتزام الترتيب التقليدى لمسائل القانون وإقامة هذا الترتيب على فكرة الحق الشخصى والحق العينى لا على فكرة التصرف القانونى والواقعة القانونية .

وهذا ما جرينا عليه فى الجزء الأول من هذا الكتاب ، فعالجنا مصادر الالتزام ، وجمعنا فى صعيد واحد ما بين التصرف القانونى فى العقد والإرادة المنفردة وبين الواقعة القانونية فى العمل غيرالمشروع والإثراء بلا سبب.

2_ الرجوع إلى التقسيم التقليدى ـ مصادر الالتزام والالتزام فى ذاته:

5ـ نظرية الالتزام ـ مصادر الالتزام والالتزام فى ذاته :
سنبقى إذن أمناء على التقسيم التقليدى ، ما دامت نظرية التصرف القانونى والواقعة القانونية لم تتم صياغتها . فالمعاملات المدنية تدور كلها حول قسمين رئيسيين : الحق الشخصى (نظرية الالتزام) والحق العينى . ونظرية الالتزام بدورها تتناول مصادر الالتزام ـ وقد فرغنا من معالجتها ـ ثم الالتزام فى ذاته………………

تحميل

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى