كتب
أخر الأخبار

الوجيز في التنظيم القضائي المغربي

إعداد الدكتور/ البشير عدي

الوجيز في التنظيم القضائي المغربي

مقدمة

يطلق التنظيم القضائي وينصرف مدلوله، إلى مجموعة المبادئ والنصوص القانونية، التي تنظم الإطار العام لعملية التقاضي بمرافقها وأشخاصها.

ويشكل التنظيم القضائي في التصنيف القانوني، أحد مكونات القانون القضائي الخاص، إلى جانب المسطرة المدنية المشكلة للمكون الثاني لهذا الفرع من فروع القانون، و التي تتولى بالتنظيم ما له علاقة بإجراءات الترافع بدءا بالدعوى وإجراءاتها المسطرية، وانتهاء بصدور الأحكام و طرق الطعن و التنفيذ.

وتشمل دراسة التنظيم القضائي، عند غالبية الفقه، من الناحية العلمية الأكاديمية، عدة مباحث يمكن إجمالها فيما يلي:

أولا: دراسة المبادئ العامة للتقاضي، سواء تلك المقررة لفائدة العدالة كقيمة مطلقة، أو تلك المقررة كضمانات للأفراد لاقتضاء الحقوق.

ثانيا: دراسة الأنظمة القانونية للهيئات القضائية ومساعدي القضاء، من قضاة وكتاب ضبط ومحامين، وباقي أشخاص المهن القضائية، من عدول و نساخ ومفوضين قضائيين، وخبراء و تراجمة ؛

ثالثا: دراسة النصوص القانونية المتعلقة بالهياكل التنظيمية لمرافق القضاء، قضائية كانت المحاكم من حيث التأليف البشري والتنظيم الهيكلي القضائي، أو إدارية متمثلة، كما هو الحال مثلا في المغرب، في المجلس الأعلى للسلطة القضائية المشرف على الشأن القضائي بالمحاكم،والوزارة المشرفة عليها إداريا وماليا.

وإلى جانب هذه القواعد والنصوص، يهتم الفقه القانوني بدراسة تاريخ وتطور النظام القضائي ضمن مباحث هذه المادة  و لدراستة هذه المادة، بحول الله، ستتم من خلال تناول الدكتور لبعض مباحثها، والمتعلقة أساسا بالتطور التاريخي للتنظيم القضائي المغربي، والمبادئ العامة التي تؤطره من جهة؛

والتنظيم القضائي للمحاكم العادية والمتخصصة من جهة ثانية، أي ما يتعلق بتأليفها البشري ، وتنظيمها الهيكلي واختصاصاتها.

وذلك من خلال فصلين:

الفصل الأول : تطور التنظيم القضائي المغربي ومبادئه العامة.
الفصل الثاني: التنظيم القضائي للمحاكم العادية والمتخصصة.

الفصل الأول : تطور التنظيم القضائي المغربي ومبادئه العامة.

المبحث الأول:

التطور التاريخي للتنظيم القضائي المغربي.

  درج الفقه المغربي على دراسة التطور التاريخي للتنظيم القضائي المغربي،من خلال رصد ثلاث محطات رئيسية لهذا التنظيم.

الأولى تتمثل في مرحلة ما قبل الاستعمار، والثانية في مرحلة الاستعمار، والثالثة في مرحلة الاستقلالز

المطلب الأول : التنظيم القضائي المغربي قبل الاستعمار

  يتألف التنظيم القضائي المغربي خلال هذه الفترة من خمس جهات قضائية، متمثلة في محكمة القاضي الشرعي التي تشكل محورها الرئيس بالإضافة إلى جهات أخرى، يطلق عليها مصطلح المحاكم تجاوزا، ويتعلق الأمر بما يعرف بالمحاكم المخزنية، والمحاكم حاكم العبرية، والمحاكم القنصلية.

وسنحاول الوقوف عند أبرز معالم هذه الجهات القضائية، من خلال الفقرات الخمسة الأتية.

الفقرة الأولى: محاكم القضاء الشرعي.

منذ أن دخل الإسلام إلى المغرب وانتشر في ربوعه، والمغاربة يخضعون في اقتضاء حقوقهم والفصل في منازعاتهم، لأحكام الشريعة الإسلامية الغراء ، في إطار محكمة القاضي الشرعي، التي تعتبر امتدادا للنظام القضائي الإسلامي الذي أسس له الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم ، منذ نشأة الدولة الإسلامية بهجرته  إلى المدينة المنورة، وقعد له الخلفاء الراشدون، وكبار قضاة الدولة الإسلامية على مر العصور.

فإلى جانب المؤسسات التحكيمية المنتشرة في المدن والقرى المغربية وعلى رأسها مؤسسة الفقيه والزاوية، وشيخ القبيلة وأعيانها، وكبير العائلة وحكيمها، والتي تشكل القاعدة الرئيسية عند المغاربة في فض المنازعات، تتواجد بكل دائرة من الدوائر الإدارية للمملكة ، محكمة للقاضي الشرعي.

هذا الأخير يتم تعيينه بظهور سلطائي، باعتباره نائبا عن الإمام في ولاية القضاء، من بين الفقهاء المشهود لهم بطول الباع وسعة الاطلاع في الفقه الإسلامي، للفصل بين الناس وفق أحكام المذهب المالكي، من خلال الراجح والمشهور وما جرى به العمل من أحكام المذهب، مع مراعاة الأعراف والخصوصيات المغربية.

وكانت هذه المحاكم ذات اختصاص ولائي عام، تنعقد لها صلاحية البت في مختلف القضايا والنزاعات التي تنشأ بين المغارية والأجانب، مسلمين أو غير مسلمين، ما عدا القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية والميراث لليهود المغاربة التي يختص القضاء العبري بنظرها، فضلا عن القضايا الزجرية التي ينعقد الاختصاص بشأنها المحاكم العمال والولاة التي تعرف بالمحاكم المخزنية، وكذا منازعات الأجانب ومن في حكمهم من المحميين المغاربة، بعد ظهور القضاء القنصلي في القرن الثامن عشر الميلادي.

وكان القاضي الشرعي يبت فيما يعرض عليه من القضايا بصفة انتهائية، بحيث لم تكن أحكامه قابلة للطعن، إلى أن تم إحداث مؤسسة قاضي القضاة، في العهد المرابطي، الذي تنعقد له صلاحية إعادة النظر في الأحكام التي
يصدرها القاضي الشرعي.

ومع ذلك فلم تكن الأحكام التي يصدرها القضاة الشرعيون، تكتسب قوة الشيء المقضي به بصفة مطلقة، بحيث يمكن للقاضي أن يتراجع عنها متى تبين له مجانبتها للصواب، أو متى استصدر المتضرر من الحكم، فتوى من أحد
كبار العلماء المنتصبين للإفتاء، تفيد عدم صواب الحكم الصادر في القضية.

الفقرة الثانية: المحاكم المخزنية.

امتدادا لما كان عليه الأمر منذ صدر الإسلام ، من فصل القضاء الزجري عن نظيره المدني بمفهومه العام، كان الولاة والعمال المخزنيون وخلفاؤهم في مختلف مناطق المغرب، يتولون مهمة النظر في القضايا الجنائية، والضرب على أيدي مرتكبي الجرائم التي تمس الأمن العام ومصالح الأفراد، اعتبارا لمهامهم في حفظ الأمن ومنع وقوع الجرائم والحد منها، ولما لهم من سلطات وإمكانيات لزجر الجناة وتنفيذ العقوبات.

وكان ولاة وعمال الأقاليم وخلفاؤهم، يفصلون في هذه القضايا باعتماد اجتهاداتهم الشخصية في الغالب من الأحيان، و عند الاقتضاء بعض أحكام الفقه الإسلامي والأعراف المحلية، دون التقيد بضوابط أو قيود موضوعية أو شكلية.

الفقرة الثالثة: المحاكم العرفية

نشأت هذه المحاكم، وهي عبارة عن مجالس أعيان القبائل ووجهائها، في المناطق التي لم يشملها نظام الدوائر الإدارية للمملكة ، والتي لا تتوفر على محكمة القاضي الشرعي ، وتبعد عن مراکز بسط النفوذ الإداري المركزي.

ومن ذلك ما يعرف بمجالس إنفلاس، وأيت ربعين، وتيعقدين، وغيرها من مجالس أعيان ووجهاء القبائل المنتشرة في المغرب.

و تعتمد هذه المحاكم، في فض القضايا والمنازعات ذات الطابع الزجري على الأعراف القبلية، والتي تكون في الغالب مكتوبة. والتي تعرف باللوح أو أزرف أو العرف أو القانون أو الديوان، وغيرها من المسميات التي تدل على القانون الواجب التطبيق.

وتعتمد، في الغالب، على أحكام الفقه الإسلامي وبعض الأعراف المحلية في القضايا المدنية والعقارية وقضايا الأحوال الشخصية من خلال الإحالة على الشرع في شخص فقهاء هذه القبائل وتكون الأحكام الصادر عنها نهائية وملزمة، وتسهر المجالس المذكورة على تنفيذها.

الوجيز في التنظيم القضائي المغربي

تحميل

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى