رسائل
أخر الأخبار

قانون الأسرة المغربي أمام القضاء الأوروبي أية امكانية للتطبيق

إعداد الباحث/ منير شعيبي

قانون الأسرة المغربي أمام القضاء الأوروبي أية امكانية للتطبيق؟

مقدمة

لقد أدت التحولات التي شهدها العالم خلال العشريات الأربع للقرن الماضي والتي تلت الحرب العالمية الثانية إلى بروز طاقة هائلة للهجرة الدولية اتسمت بأحادية التوجه من البلدان الفقيرة إلى الدول المتقدمة؛ وبمنظر جغرافي من دول الجنوب إلى دول الشمال؛ ولم تكن هذه الهجرة سوى نتيجة لعوامل كثيرة تمثلت أساسا في الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي كان يعيشها الفرد داخل مجتمعة؛ الأمر الذي دفعه إلى التفكير في مغادرة وطنه بحثا عن ظروف عيش أفضل؛ وبديل مرضي للوضع الذي كان يعيشه؛ وهي عوامل زاد في تدعيمها عولمة النظام الاقتصادي وتطور وسائل الاتصال بشكل سهل على هذا المواطن في البلدان المتخلفة معرفة الآخر ومقارنة ظروف معيشته؛ وكيفية احترام حقوقه وكرامته لدرجة جعلته يعيش حلم الوصول إلى هذا الأخر كيفما كانت الصعوبات التي سوف تواجهه.

ويعد المغرب من الدول التي عرفت هجرة مهمة نحو الأقطار الأوربية منذ عهد الحماية وبداية الاستقلال؛ وهي هجرة تنامت بشكل كبير في الفترات الأخيرة؛ حيث تشكل الجالية المغربية اليوم في أوربا أهم رابط اجتماعي ما بين الاتحاد الأوربي والمغرب على المستوى البشري؛ إذ يعيش هناك أكثر من 2185894 مهاجر مغربي؛ ولايقتصر الأمر على المستوى البشري بل إن هذه الجالية تلعب دورا مهما على المستوى الاقتصادي والثقافي؛ فاقتصاديا تقوم بدعم الدخل القومي للمغرب واستثماره وذلك بتحويل العملة الصعبة الأجنبية سنويا؛ أما على المستوى الثقافي فتعد جسرا مهما في هذا المجال؛ ومحورا رئيسيا على المستوى السياسي في اتفاقية الشراكة التي وقعها المغرب ودول الاتحاد الأوربي في نونبر 1995.

أما بالنسبة للجانب الأوربي المستقبل للهجرة، فيمكن القول بأن الهجرة وحتى السرية منها لعبت دورا مهما في بناء وتطوير الاقتصاد الأوربي؛ ليس فقط في القطاعات التي يعزف الأوربيون عن الاشتغال فيها بالنظر لما تتطلبه من جهد جسدي؛ وإنما أيضا في المجالات التقنية المتخصصة بفعل تغير السمة المميزة للهجرة من هجرة غير مؤهلة إلى ما أصبح يعرف بهجرة الأدمغة.

عموما إذا كانت ظاهرة الهجرة كظاهرة إنسانية وطبيعية قد استطاعت إلى حد ما تحقیق نوع من الرفاهية والاستقرار الاقتصادي للمهاجرين المغاربة في بلدان إقامتهم؛ فإنها بالمقابل ساهمت إلى حد كبير في احتدام النزاعات بشأن تطبيق القوانين الشخصية في مجال الأحوال الشخصية سيما عندما يتعلق الأمر بالنزاعات الدولية الخاصة التي تربط بين بلدين يسود احدهما نظام قانوني علماني يجعل من عهود ومواثيق حقوق الإنسان الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة مرجعيته المتبناة في صياغة القوانين الأسرية؛ وبين نظام قانوني ديني يكرس نظريات أسرية مستوحاة من الفقه الإسلامي كما هو الشأن في العلاقة بين المغرب وأوربا.

ويكمن أساس هذا الاختلاف والتنازع بين القوانين في كون مسائل الأحوال الشخصية تعتبر خزانا لخصوصيات كل شعب؛ وميدانا خصبا يكشف عن تنازع الحضارات والثقافات وكذا الاختلافات في السياسات التشريعية للدول؛ حيث رفضت بلدان الاستقبال الكثير من المؤسسات القانونية الإسلامية واعتبرتها متعارضة نظامها العام؛ كما أن البلدان الإسلامية ومنها المغرب ترفض بدورها الاعتراف بأي حق اكتسب بناء على قواعد تلك البلدان من قبل رعاياها نظرا لما ترى فيها بدورها من تعارض مع نظامها العام.

ولعل السبب في وذلك راجع بالدرجة الأولى إلى الرهان الدائر بين رغبة البلدان الإسلامية في ضمان احترام هوية وثقافة رعاياها المستمدة في أغلبها من قواعد الفقه الإسلامي؛ ورغبة البلدان الأوربية المستقبلة في استيعاب هذه الجالية وجعلها تنصهر بسهولة في جسمها وحضارتها.

لذلك وأمام هذا الوضع، فقد راهن المغرب لعقود طوال من أجل ضمان تطبيق القانون المغربي للأحوال الشخصية من قبل الجالية المغربية؛ والحفاظ من تم على وحدة النظام القانوني الذي يحكم الأسرة المغربية بالمهجر على قواعد الإسناد المنصوص عليها في الأنظمة القانونية لبعض بلدان أوربا الغربية والتي تسند الاختصاص في مجال الأحوال الشخصية للقانون الوطني للشخص انطلاقا من المبدأ المعمول به دوليا في هذا الصدد؛ وهو مبدأ شخصية القوانين.

كما عمل المغرب من أجل بلوغ هذه الأهداف إلى السعي نحو إبرام اتفاقيات ثنائية مع بعض الدول المستقبلة للجالية المغربية كوسيلة ناجعة للتقليص من حجم النزاعات المثارة بشأن تطبيق القوانين الشخصية كما هو الشأن بالنسبة للاتفاقية المغربية الفرنسية بشأن حالة الأشخاص والأسرة والتعاون القضائي ل 10 غشت 1981.

لتحميل: تقيم الية الصلح في قانون الأسرة

غير أنه بالرغم من ذلك، فإن صعوبة التوفيق بين القانون المغربي للأحوال الشخصية والقوانين الأسرية الأوربية جعلت من القضاء الأوربي حين يصل التصادم مدى لا يمكن معه التعايش أو استقبال بعض المؤسسات يستبعد القانون المغربي للأحوال الشخصية؛ إذ يتراوح عموما موقف الاجتهادات القضائية الأجنبية فيما يخص تفعيل مقتضيات مدونة الأحوال الشخصية المغربية بين الاستبعاد الكلي والجزئي لها؛ الأمر الذي يوحي بأن قاعدة التنازع التي توصي بتطبيق القانون الوطني توجد في مأزق؛ ولعل السبب في ذلك راجع بالدرجة الأولى لعدة أسباب نذكر منها ما يلي:

الإستراتيجية التي تنهجها معظم الدول الأوربية في مقاربتها لظاهرة الهجرة والتي تعتمد في مجموعها مقاربة شبه موحدة مناطها إدماج واستيعاب الأجنبي بصرف النظر عن دينه وقيمه الخاصة؛ وإخضاعه لقيم وقوانين المجتمع الأوربي الذي يعمل ويقيم فيه؛ وقد عملت لتحقيق هذه الإستراتيجية؛ من جهة على قطع كل صلة بين المهاجر المغربي ووطنه الأصلي بما في ذلك حقه في الخضوع لقانونه الوطني في مجال أحواله الشخصية عن طريق تمديد مقتضيات قانون جنسية بلد الإقامة ليشمل كل من ولد فوق الأراضي الأوربية؛ وتفعيل مسطرة التجنيس بالنسبة للجيل الأول كما هو الشأن مثلا بالنسبة لمقتضيات الفصلين 8 و 9 من قانون 19 نونبر 1984 الخاص بالجنسية الهولندية، والذي يربط إمكانية الحصول على هذه الأخيرة بضرورة اندماج المهاجر المغربي في المجتمع الهولندي، الأمر الذي كان له تأثير في أوساط الجالية المغربية المقيمة في هذا البلد؛ حيث بلغ عدد المغاربة الذين حصلوا على الجنسية الهولندية سنة 1990 أي بعد مرور ست سنوات على صدور هذا القانون حوالي 19400 مهاجر، أي ما يعادل 11% من نسبة الجالية المغربية المقيمة بهولندا.

ومن جهة أخرى العمل على تطوير ضوابط الإسناد بطريقة يتم فيها إسناد الاختصاص في مجال الأحوال الشخصية ما أمكن لقوانين بلد الإقامة، كما هوالشأن بالنسبة لضابط الموطن أو الإقامة الاعتيادية، ومؤخرا ضابط الإرادة والمصلحة الفضلى للطفل، وذلك في مقابل التقليص من نطاق ضابط الجنسية كوسيلة لاستبعاد القانون المغربي للأحوال الشخصية من حلبة المنافسة……

قانون الأسرة المغربي أمام القضاء الأوروبي أية امكانية للتطبيق؟

تحميل الرسالة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى