أطروحات
أخر الأخبار

أزمة العقد

إعدا الباحث/ بكر عبد السعيد محمد أبو طالب

أزمة العقد

  مقدمة

يعد العقد من أهم مصادر الالتزام في التعاملات اليومية، ومما لا ريب فيه أن العقد يشغل مكانة بارزة لا يمكن إنكارها في استقرار المعاملات في المجتمعات كافة، فهو أداة ضمان وأمان.

وقد لاقى العقد اهتماما تشريعيا وقضائيا وفقهيا واسعا، إلا أن هذا الاهتمام لم يقف حائلا دون وقوع العقد في أزمة كان وما زال التشريع والقضاء منبعا لهذه الأزمة.

فإذا كان الاهتمام التشريعي والقضائي بالعلاقة العقدية أمرا ضروريا لتحقيق التوازن والعدالة في العقود، غير أن هذا الاهتمام قد دفع المشرع والقاضي إلى التدخل في العقد مما أحدث اضطرابات عديدة في العلاقة العقدية نفسها. فدائما ما يكون الإسراف في تحقيق أمر ما، هو في حد ذاته انتكاسا لهذا الأمر لا تحقيقا له.

فعند النظر للمشرع والقاضي نجدهما قد استحدثا واجبات عقدية جديدة لم يتفق عليها المتعاقدان في مضمون العقد المبرم بينهما، ولا تمت للعلاقة العقدية بصلة، بل ولا تتلاءم مع القانون العقدي بداعي تحقيق العدالة والتوازن داخل الرابطة العقدية كالالتزام بالسلامة والإعلام والتعاون والأمانة والتضامن والإخوة… إلخ.

ومما لا شك فيه أن التدخل في مضمون العقد باستحداث واجبات عقدية جديدة هو أمر من شأنه الحد بشكل كبير من دور الإرادة في تحديد مضمون العقد، فضلا عن تضخم مضمون العقد enrichir le contenu du contrat وجعله مكتظا بواجبات عقدية غير متفق عليها في مضمون العقد بين المتعاقدين.

وقد استحدث المشرع والقاضي مؤخرا – آليات غیر متعارف عليها في قانون العقود من أجل استعادة التوازن العقدي، غير أنه بالنظر إلى ما تضمنه هذه الآليات نجد أنها تجاوزت الهدف الحقيقي التي أقرت من أجله، ومن هذه الآليات: إبطال العقد للإكراه لتوافر حالة التبعية الاقتصادية (الإكراه الاقتصادي)، وإبطاله للإكراه أيضا إذا ما توافرت أي حالة من حالات التبعية (النفسية) أو (العاطفية) … إلخ

وإنهاء العقد إذا لم يحقق الهدف المرجو او المأمول من إيرامه استنادا إلى فكرة السبب، إضافة إلى السماح للقاضي بمراجعة العقد أو إنهائه وفقا لما يراه ملائما في التاريخ وبالشروط التي يحددها في حالة تغير ظروف العقد نظرية الظروف الطارئة) (المادة 1195 من القانون المدني الفرنسي بعد تعديل عام ۲۰۱۹)، وغيرها من الآليات المستحدثة.

والواقع أن هذه الآليات والمفاهيم التي استحدثها المشرع والقاضي -مؤخرا- قد تخطت مفهوم التوازن العقدي الذي يسعيان إلى تحقيقه كما هو الحال عندما يقرران إبطال العقد في أحيان كثيرة ، فكيف يبغي المشرع -مثلا- تحقيق التوازن العقدي بينما يسمح على الجانب الأخر للقاضي بسلطة إنهاء العقد برمته متناسيا الغرض الذي يسعى إليه وهو تحقيق التوازن العقدي ؟! ومما لا شك فيه أن هذا الأمر يثير كثيرا من القلق والمخاوف حول مصير العقد نفسه ووجوده .

ولقد تعرض العقد لأزمة كبيرة أثرت عليه وعلى وجوده نفسه إزاء هذه التدخلات التشريعية والقضائية. فبعدما كان العقد مصدرا للثقة بين المتعاقدين تلاشت هذه الثقة شيئا فشيئا خاصة مع كثرة توسع المشرع والقاضي في المفاهيم والمصطلحات الراسخة كحسن النية والعدالة والإكراه والسبب.. وغيرها، فضلا عن تهميشهما للمبادئ التي تعد قوام العقد وأساسه  (كالحرية العقدية) و (القوة الملزمة للعقد) و (استقرار العقود)….

أزمة العقد

تحميل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

انت تستخدم مانع الاعلانات في متصفحك المرجو ايقاف الاضافة للمواصلة