رسائل
أخر الأخبار

مؤسسة المفوض الملكي في القانون والقضاء الإداري المغربي

إنجاز الطالبة الباحثة/ سمية الديك

مؤسسة المفوض الملكي في القانون والقضاء الإداري المغربي – دراسة تحليلية مقارنة –

مقدمة

يعد القضاء سلطة جوهرية في أي نظام قانوني فلا يمكن تصور دولة حديثة بدون نظام قضائي، فهو من مقومات وجودها، و نظرا لأهمية هذه السلطة و دورها الكبير في تحقيق العدالة و ضمان حقوق الأفراد و الجماعات، نجد أن أغلب التشريعات الحديثة تنص عليها في دساتيرها، و تقرها كسلطة مستقلة عن السلطتين التشريعية و التنفيذية.

والمغرب كغيره من معظم الدول عرف القضاء منذ أبد بعيد و کرسة في الدساتير المتعاقبة التي عرفها مند دستور 1962 إلى غاية دستور 2011 حيث يتم التنصيص لأول مرة في تاريخ المغرب على کون القضاء سلطة مستقلة.

والقضاء الإداري كجزء من السلطة القضائية، شكل ظهوره في الأنظمة القضائية. و منها المغرب محطة مهمة في السعي نحو إرساء دولة الحق و القانون بعد أن أصبحت الدولة هي الأخرى مسؤولة عن أنشطتها و تصرفاتها والتي يستوجب أن تكون في إطار القانون ، حيث أضحى القضاء الإداري صاحب الاختصاص للنظر في المنازعات التي تكون الدولة – الشخص المعنوي العام – طرفا فيها.

والحديث عن القضاء الإداري هو ليس فقط حديث عن الدعاوی و المنازعات الإدارية التي ينظر فيها، بل هو بالدرجة الأولى استجلاء لخصوصيات هذا القضاء انطلاقا من الهياكل المكونة له و التي شكلت لحقبة طويلة من الزمن أساس تطوره و تمیزه، فلا يمكن الحديث عن القضاء الإداري و الدور الذي لعبه دون الحديث عن المؤسسات المشكلة له و التي تعد بموجبها مؤسسة المفوض الملكي أهم خصوصياته.

ولتناول موضوع البحث، يستلزم بداية و قبل الخوض في حيثياته استحضار التأصيل المفاهيمي له قبل الانتقال إلى عنصر تطوره التاريخي.

التأصيل المفاهيمي للموضوع:

يرتكز موضوع البحث على مفهومين مركزیین و هما القضاء الإداري والمفوض الملكي و هو ما يتعين معه تحديد ماهيتهما و العلاقة التي تربط بينهما:

القضاء الإداري :
يعد القضاء السلطة الثالثة في الدولة و الذي يختص بتطبيق و تفسير القانون الذي يوضع من طرف السلطة التشريعية و تنفيذه بواسطة السلطة الثانية و هي السلطة التنفيذية و ذلك بناء على التقسيم التقليدي  لمونتسكيو الذي قسم السلطات إلى ثلاثة : سلطة تشريعية و تنفيذية و قضائية.

ولكي تمارس السلطة القضائية مهامها يتعين أن تتوفر لها جميع الوسائل التي تجعلها مستقلة عن الأفراد و عن الإدارة، فالقضاة لا يأتمرون بأوامرها و لا يخضعون لتوجيهاتها كما أنهم لا يتدخلون في شؤون الإدارة، و بالتالي فإن أحكامهم ترتكز على تطبيق القانون و مراقبة شرعية القرارات الإدارية، على اعتبار أن مبدأ الشرعية يعني أن تحترم الإدارة في نشاطها أحكام القانون و إلا تعرضت أعمالها للبطلان و بالتالي فالقضاء الإداري يقوم بدور أساسي في ذلك بناء على السلطة المخولة له بنص القانون.

فوجود هذا القضاء هو تأكيد على وجود جهة قضائية متميزة للنظر في المنازعات الإدارية في الدول التي أخدت بالنظام المزدوج، أما في النظام الموحد فإن المنازعات الإدارية ينظر فيها في نفس المحاكم التي تنظر في نزاعات الأفراد و إن كان هذا لا يمنع من وجود قواعد قانونية موضوعية لتحكم النشاط الإداري.

وبالتالي فالقضاء الإداري هو قضاء يراقب أعمال الإدارة و نشاطها متى خالفت مبدأ المشروعية وسيادة القانون و انتهكت حقوق الأفراد و حرياتهم.

وقد اشتهرت فرنسا و اتفق على ذلك جميع الفقهاء أنها مهد القانون و القضاء المزدوج، و ذلك نظرا لدورها الكبير في تحديد أهم معالمه تبعا للظروف التاريخية التي مرت بها، و على هذا الأساس فإن دراسة القضاء الإداري الفرنسي تفرض نفسها في أي دراسة خاصة بالقضاء الإدارية.

المفوض الملكي:
يشكل المفوض الملكي Commissaire Royal مؤسسة داخل القضاء الإداري فهو إحدى أهم خصوصيات هذا القضاء، و المفوض الملكي هو قاض تم تفويض له مهمة الدفاع عن الحق والقانون بصدد النظر في المنازعات التي يختص بها القضاء الإداري و ذلك في استقلال عن الإدارة وكذلك عن هيئة الحكم، و تسميته تختلف من نظام قضائي لأخر و حسب طبيعة النظام السياسي والقضائي للدولة، كما أن مهمته لم يتم ترسيخها لأول مرة مع إحداث القضاء الإداري، بل هي الأخرى عرفت تطورا – في القضاء الإداري الفرنسي – حتى اكتسبت خصوصية و استقلالية و عرفت نوعا من النضج جعلت معظم الأنظمة التي تتبنى النظام المزدوج و المحاكم الإدارية الأخذ بها.

التطور التاريخي للموضوع:

ولإبراز التطور التاريخي للموضوع يتعين تحديد هذا التطور على مستوى القضاء الإداري الفرنسي و المغربي و بعدها على مستوى نظام المفوض الملكي.

– تطور القضاء الإداري بفرنسا:
سبق القول أن فرنسا هي مهد القضاء الإداري و عنها نشأ و تطور، وقد مر هذا التطور بمراحل متعددة كانت بدايتها باعتماد ما سمي “بالإدارة القاضية” إذ يشكل قانون 16-24 غشت 1790 القانون الذي أخذ بمبدأ فصل السلطات بشكل جامد و صلب حيث نص بوضوح في الفصل الثالث عشر منه على أنه ” الوظائف القضائية مستقلة و ستظل دائما منفصلة عن الوظيفة الإدارية و لا يمكن للقضاة بأي وجه من الوجوه أن يقوموا بعرقلة أعمال الهيئات الإدارية أو أن يقوموا باستدعاء رجال الإدارة للمثول أمامهم بسبب يتعلق بأداء وظائفهم )، و تنفيذا لهذا النص كان لا يمكن للأفراد المتضررين من تصرفات الإدارة أو أحد موظفيها إلا التوجه إلى الإدارة نفسها للتظلم إليها و تقديم الشكوى، و للإدارة وحدها حق الفصل في النزاع، و بذلك عهد إلى رجال الإدارة العامة بالمهمة القضائية و أصبحت الإدارة هي الخصم و الحكم في نفس الوقت الشيء الذي أضفى على هذه المرحلة صفة “فترة الإدارة القاضية أو الوزير القاضي” بحيث كان يتولى فيها الوزراء و حكام الأقاليم سلطة الفصل في الدعاوى التي يقيمها الأفراد ضد السلطة الإدارية.

وبعد مرور سنوات من هذا التطبيق “الخاطئ” لمبدأ فصل السلطات كان من الضروري تصحيح هذه الوضعية عن طريق خلق هيئات متميزة عن الإدارة، ولم يتحقق هذا المعطى إلا مع تطورات السنة الثامنة من تأسيس نابليون بونابرت وفق ( دستور22 فرمیر frimaire، دجنبر 1799) لمجلس الدولة و إنشاء مجالس الأقاليم ( بواسطة قانون 28 بليفور السنة الثامنة ، 17 فبراير 1800)، و أسندت لها مهمة البت في التظلمات التي يرفعها الأفراد ضد الإدارة في هذه الأقاليم، و أسند إلى مجلس الدولة دورا استشاريا و ذلك بتقديم المشورة سواء في مجال تسيير الإدارة أو في حل المنازعات الإدارية، كما كانت القرارات الصادرة عن مجالس الأقاليم التي يطعن فيها تستأنف أمامه، فالمجالس كان لها طابع استشاري قانوني، فقراراتها كانت معلقة على موافقة رئيس الإدارة، لذلك فالقضاء الإداري كان محجوزا بواسطة السلطة الإدارية التي لها حق التقرير، فهي القاضي و الخصم في نفس الوقت..

مؤسسة المفوض الملكي في القانون والقضاء الإداري المغربي – دراسة تحليلية مقارنة – 

تحميل الرسالة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى