كتب للتحميل
أخر الأخبار

الرجال الذين اخترعوا الدستور

تأليف / دافيد أو ستيوارت / ترجمة الأستاذان محمد بو هلال ومحفوظ العارم

الرجال الذين اخترعوا الدستور

الفصل الأول 

وفي ماونت فيرنون كانت البداية
مارس 1785

 بينما كان الثلج يتساقط في الخارج، انشغل جورج واشنطن بالتفكير مليا في المشكلة مع جاره جورج مایسون، وفي غرفة الاستقبال الغربية حيث يستقبل آل واشنطن ضيوفهم، نار تدرأ عنهم برد الليل. كان كلا الرجلين يفضل في المساء إحتساء نپید «مديراه (Madeira) العذب، وبذل العبيد بمنزل ماونت فيرنون ما في وسعهم من أجل أن يوفروا لهما ما يريدان. وبصفتهما رجلين نفرا حياتهما للزراعة فقد استرسلا في الحديث عن البرد الذي قد يؤخر زراعات فصل الربيع، وعن الطعوم التي أرسلها مايسون مؤخرا من أجل تلقيح شجيرات الكرز بماونت فيرنون.

وعلى الجانب الآخر من المنزل انحدر المرج الواسع باتجاه نهر بوتوماك الذي ينساب برشاقة في خط متعرج بين مريلاند وفرجينيا في رحلته من الجبال الغربية. وكان النهر هو المشكلة، فقد كانت الولايثان تتنازعانه، و جاء خلافهما علامة على أزمة الولايات المتحدة الجديدة التي ما انفكت تتعمق.

نال واشنطن، وكان يصغر ضيفه بسبع سنين، قدرا هائلا من التعب، خلال يوم واحد قضاه على صهوة جواده يتابع سير العمل في مزرعته. غير أن مایسون لم يشعر إلا بالانزعاج المثير للأعصاب عقب يوم من الانتظار الممل. كانا صديقين مدة تناهز الأربعين عاما، وكانا يمضيان أياما وليالي في بيت كل منهما، ومعا اصطادا الأيائل، وتكلما في السياسة، واستضافا فرقا للرقص، وتقاسما استراتيجيات الزراعة، وخططا لتطوير بوتوماك إلى مركز للتجارة. كان كل منهما زعيما محليا، خدم عضوا في مجلس الكنيسة التابع لأبرشية «ترورو» وراعيا لمدينة الإسكندرية.

لقد قاد كل على طريقته التمرد على بريطانيا العظمى. وفي سنة 1774 ترأس واشنطن مؤتمر المقاطعة الذي تبتی «قرارات فيرفاكس» التي كان مايسون قد وضع مسودتها في قاعة الاستقبال ذاتها بماونت فيرنون. ومايسون فيها بعنف أن فرض القوانين البريطانية على الأمريكيين من دون موافقتهم يمثل انتهاكا ل” امتیازات شعب حر وتعديا على حقوق البشر الطبيعية»، وفي حين واصل واشنطن تجسيد الثورة الأمريكية من خلال زعامته الروحية والعسكرية، لعب مايسون دورا أكثر محلية عبر مجلس عموم فرجينيا.

وعبر سيل مختلفة بلغ كل منهما في حياته درجة جلبت له الكثير من المعجبين وعددا أقل من الأصدقاء. والآن يصف كل منهما نفسه بأنه رجل متقاعد.

لقد ضم النور المنبثق من الموقد الفروق بينهما. كان واشنطن الرجل ذو البنية القوية والمعروف بقدرته على كسر الجوز بيد ضخمة واحدة يجد متعة في الحياة المتحررة من أسر المكان وركوب المخاطر في ساحة القتال. ورغم بلوغه الثالثة والخمسين حافظ على رشاقة فارس وراقص ممتاز وقوتهما. غير أن شيئا ما بداخله هو الذي جعله سيدا حيثما حل. لقد كان بالتأكيد فرجينيا شهما يتميز باللطف والاستقامة، إلا أن غيره من الرجال كانوا كذلك. وبالقدر نفسه كانت له عيوبه التي منها «إدمانه على القمار… وشغفه بالبحث عن الثراء… وإتيانه أقذع أنواع الشتيمة و التجديف” ، وكان له طموحه الذي لا يلين.

استمد واشنطن قوته من جمعه بين صفات متناقضة. فكانت “موهبة الصمت” عنده تضفي عليه وقارا وهدوها، غير أنه كان في الوقت نفسه يبطن بعبارة أحد المعجبين به “وانفعالات لا يكاد بشر يقوى على تحملها»، فمن شهد واشنطن مرة في حالة غيظ لن ينساها قط. ولد هذا المزيج من الانضباط الحديدي و الرغبة الجامعة شخصية كارزمية آسرة إلى حد دفع أحدهم إلى القول إن كل ملك في أوروبا «سوف يبدو كخادم في غرفة فندقي، حين يقف إلى جانبه». وباعتبار واشنطن زعيما لتمرد ناجح على أقوى إمبراطورية في العالم، أصبح أول مواطن في القارة الأمريكية يتمتع بصيت عالمي.

الرجال الذين اخترعوا الدستور

تحميل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى