مقالات
أخر الأخبار

البنوك التشاركية وافاقها بالمغرب

إعداد الدكتور/ البشير عدي

البنوك التشاركية وافاقها بالمغرب

 تمهيد

أضحت البنوك الإسلامية، بعد عقود من التجاهل والجحود، حقيقة واقعية نتيجة الطفرة النوعية التي حققتها خاصة في عقدها الأخيرز

وصارت هذه الأخيرة مطلبا جماهيريا ونخبويا على الصعيد العالمي قبل الإسلامي، إثر نجاحها الباهر في تخطي الأزمة المالية العالمية، التي أطاحت بعمالقة المؤسسات المصرفية العالمية، وكبدت أعتى اقتصاديات العالم خسائر تقدر بملايير الدولارات.

ومع أن تجربة البنوك الإسلامية صار لها من التواجد ما يناهز نصف القرن، عمت خلاله معظم بقاع العالم الإسلامي والغربي، إلا أنها لم تعرف طريقها لبلادنا التي شكلت استثناء غير مقبول على مر العقود السالفة -أمام الإقبال العالمي المتزايد على هذه التجربة، وأمام نجاعتها المالية ومردوديتها الاقتصادية – قبل أن تقتنع السلطات المالية مؤخرا بهذه التجربة، وتخصها بالتنظيم من خلال مقتضيات مشروع القانون البنكي الجديد، الذي نتمنى أن يرى النور مؤذنا بدخول هذه التجربة حيز التطبيق كاملة غير منقوصة، في هذا البلد الذي يعتبر بخصائصه ومؤهلاته تربة خصبة وسوقا فتيا للعمل المصرفي الإسلامي، الذي سيشري الاقتصاد المغربي، ويجعل من المغرب قطبا ماليا واعدا بامتياز.

وسنقلي في هذه الدراسة نظرة موجزة عن تجربة هذه البنوك وآفاقها بالمغرب، من خلال ثلاثة محاور خصص الدكتور الأول للحديث عن أسس النظام المصرفي التقليدي والموقف الشرعي منها، والثاني للحديث عن نشأة البنوك الإسلامية وتطورها، والثالث للحديث عن البنوك التشاركية في مشروع القانون البنكي المغربي، مختتمين
بمحاولة تقييم واستشراف آفاق هذه الأخيرة بالمغرب.

 أولا: أسس النظام المصرفي الحديث والموقف الإسلامي منها

تشكل الوساطة المالية بين المدخرين والمستثمرين أساس النظام المصرفي الحديث، وذلك عبر تجميع الأموال من المدخرین ووضعها تحت تصرف المستثمرين، علاوة على تقديم بعض الخدمات والتسهيلات التي تيسر تعاملات الفاعلين الاقتصاديين المتعاملين معها.

وإذا نظرنا إلى الميدأ الذي يقوم عليه هذا النظام – بغض النظر عن التطبيق، وبغض النظر عما آل إليه العمل المصرفي من التخصص في خلق النقود والاتجار في الديون – سواء من حيث تجميع المدخرات من الأموال وإعادة استثمارها وتوزيعها، أو من حيث تقديم خدمات تسهم في تيسير المعاملات بين المتعاملين معها، نجده يتفق
تماما وغاية عمارة الأرض التي خلق الباري عز وجل الإنسان من أجلها، وكذا أهم مقاصد الشرع في الأموال وهو رواجها وفي المعاملات عموما وهو تيسيرها.

فعمارة الأرض – خاصة في الوقت الحاضر – تقتضي إقامة مشاريع ضخمة، تتطلب أموالا ومجهودات مهمة، قد لا تتوافر لمجموعة معينة، فضلا عن فرد معين، وقيام مؤسسة من نوع المصرف بمهمة تجميع الأموال من المدخرين وتوجيهها للاستثمار بغية تحقيق نماء اقتصادي، ما هو إلا أحد تجليات العمارة التي هي إحدى وظائف الإنسان على الأرض، كما يعتبر تطبيقا لأهم مقاصد الشرع في الأموال وهو رواجها حتى لا تكون دولة بين فئة محدودة الناس، كما أنه الصيغة المثل لتجنب الاكتناز، الذي حرمته الشريعة وتوعدت عليه بأشد أنواع العقاب، للذين يملكون من الأموال ما لا قدرة لهم على استثمارها وأداء حقوقها.

يقول الأستاذ سامي حمود: “ومن يتأمل في المسألة بعمق وتفهم، يجد أن النقود لها نظر خاص في الإسلام؛ فهي -أي النقود- محرم کنزها من ناحية، ومحظور إنفاقها تبذيرا وإسرافا من ناحية ثانية، ولو نظرنا بين هذين الحدين لوجدنا أن الأسلوب المصرفي في جمع المال وحفظه حفظا حسابيا بأسماء المالكين ثم القيام بتشغيله عن طريق إعادته للعمل في المجتمع من باب آخر يتفق تماما من حيث غاياته – مع المقاصد الشرعية العامة، ولا نرى أننا نتجاوز بالقول حين نقرر بأن الأسلوب المصرفي في جمع الأموال وتوظيفها هو تحقيق عملي تطبيقي لنظرة الشريعة إلى ما يجب أن يكون عليه دور المال في المجتمع، وهو أسلوب يتحقق فيه التوفيق بين حقوق الأفراد في تملك المال وحق الجماعة في الانتفاع بهذا المال حتى لا يبقى معطلا بالاكتناز”.

غير أن الأمر إن كان على هذا الشأن من التناغم من حيث المبدأ، فإنه على العكس تماما من حيث التطبيق، يناقض مقاصد الشرع في الأموال والمعاملات، بل يناقض من الأحكام ما هو معلوم من الدين ضرورة، سواء من حيث الوسائل المستعملة أو الغايات التي ينتهي إليها.

أما الوسائل فلأن هذا النظام يعتمد في جمع المدخرات وتوزيعها، مبدأ سعر الفائدة، والفائدة بما لا يدع مجالا للشك عين ربا الجاهلية، والربا حرام شرعا بغض النظر عن طبيعة القرض، إنتاجيا كان أم استهلاكيا، وبغض النظر عن طبيعة أطراف القرض، أشخاصا طبيعيين أم اعتباريين كانوا، أفرادا أم مؤسسات أم دولا، وبغض النظر عن يسر أو عسر المقترض. والتعامل بالربا يعني إعلان الحرب على الله عز وجل؛ حيث يقول عز من قائل: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مومنين، فإن لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله، وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون}

البنوك التشاركية وافاقها بالمغرب

تحميل

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى