أطروحات
أخر الأخبار

مسؤولية المرفق العام الطبي بالمغرب

إنجاز الباحث/ خالد علامي

مسؤولية المرفق العام الطبي بالمغرب: دراسة في النصوص القانونية والاجتهادات القضائية والفقهية

مقدمة عامة:

إن الحق في الصحة هو حق طبيعي غير قابل للتقادم، والدولة مسؤولة عن كيفية ممارسته وملزمة بالبحث عن الوسائل التمويلية له، كما أن نجاح هذا الحق رهين بوجود سياسة صحية مندمجة في إطار سياسة عمومية منسجمة.

وقد تعددت تعريفات مفهوم الصحة بين التعريف الضيق الذي وضعه الجراح LERICHE بكون الصحة هي “العيش في هدوء وسكون الأعضاء”، وبين التعريف الواسع للصحة وللنظام الصحي من خلال مساهمة EMILE Levy باعتباره “مجموعة مكونة من ثلاثة أنظمة تحتية وهي: النظام التحتي الأول ويوجد في حالة صحة السكان، والنظام الثاني مرتبط بآلة إنتاج السلع والخدمات الطبية، والثالث مرتبط بميكانيزمات تغطية نفقات الصحة”.

ونظرا للتطورات التي شهدها القطاع الصحي بالمغرب كغيره من الأنظمة الصحية العالمية، وبسبب تسارع وتيرة المطالبة بالحق الصحي في السنوات الأخيرة، فإن الصحة أصبحت مقياسا أساسيا لمعرفة تقدم الدول ومؤشرا على حفظ كرامة الإنسان وذلك لاتصالها وارتباطها الوثيق بالحق في الحياة. ومن هذا المنطلق، أكد المشرع المغربي في الدستور الجديد على أهمية ومحورية الحق في الصحة والمساواة في الولوج إلى المرافق العامة الطبية، مكرسا أولا الالتزامات الدولية الملقاة على عاتقه، وثانيا ملبيا مطالب الجمعيات الحقوقية المدافعة عن الحق في الصحة.

ولقد جسدت كذلك التطبيقات القضائية للمفهوم الدستوري الجديد للحق في الصحة والمنصوص عليه في الفصل 31، ففي قرار حديث صادر عن محكمة النقض جاء في إحدى حيثياته “(…) وبالنظر إلى التزامات الدولة في ضمان الحق المذكور المنصوص عليها في الدستور وخاصة الفصل 31 منه والناص على أن (( تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتسيير أسباب استفادة المواطنين والمواطنات، على قدم المساواة من الحق في العلاج و العناية الصحية والحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، والتضامن التعاضدي أو المنظم من لدن الدولة..)، وكذا في المواثيق والمعاهدات الدولية المصادق عليها من طرف المغرب وخاصة ماورد في المادة 12 الفقرة الأولى من العهد الدولي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية من ” إقرار الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية يمكن بلوغه”.

ذات صلة:نظرية الضمان أو أحكام المسؤولية المدنية والجنائية في الفقه الاسلامي دراسة مقارنة

ورغم أهمية التنصيص الدستوري على الحق في الصحة وتكريسه على المستوى القضائي، إلا أن هذا الحق غير واضح عند النظر في تحديد مسؤوليات المتدخلين في تقديم الخدمات الصحية العمومية، وهذا يرجع إلى عدم وجود قانون واضح يحدد هذا النوع من المسؤوليات في المغرب، كما هو منظم في بعض الدول، خاصة بعد تزايد الأخطاء الطبية المرتكبة من قبل مهني الصحة العمومية والتي قد تعود إما إلى الوسائل التقليدية التي يشتغل بها الأطباء ومساعديهم وظروف عملهم أو إلى غياب الكفاءة و التخصص لدى الأطر الطبية و شبه الطبية.

أولا- السياق العام لمسؤولية المرفق العام الطبي بالمغرب:

إن تأمين الحق في الصحة من قبل الدولة ليس بالشيء الهين، وذلك راجع بالأساس إلى الإكراهات التي تعتري المجال الصحي سواء على مستوى الموارد البشرية أم المادية من جهة، وكذلك بسبب التحولات البنيوية والقانونية التي يعرفها هذا المرفق من جهة أخرى؛ إذ لم يعد
يقتصر تدبيره على مساهمة الأشخاص المعنوية العامة، بل تم الانتقال كذلك إلى مشاركة الأشخاص المعنوية الخاصة عن طريق تدبير مصالح المرفق العمومي الصحي من لا محالة قبل هيئات مدنية قد يخول لها القانون الحق في استعمال امتیازات السلطة العامة، ولا شك أن السماح لغير أشخاص القانون العام بتسيير أو تدبير المرفق الطبي، لدليل على انسحاب الدولة تدريجيا من القطاع الصحي وضعف التدخل العمومي الصحي في تكريس فكرة الصالح العام، الشيء الذي سيسهم في بروز أزمة في المرفق العمومي الصحية، ناتجة بالأساس عن عدم الأخذ بعين الاعتبار معطی تنوع الاحتياجات الصحية وحقيقة الطلب المتزايد للعلاج، وكذلك عدم استحضار المبائ الدستورية التي نصت على الحكامة الجيدة وترسيخ ثقافة المرفق العام من خلال غرس قيم المواطنة المسؤولة.

ذات صلة: المسؤولية عن أضرار الألغام

غير أن ممارسات النشاط الطبي أو الإداري من قبل المرفق العام الطبي، هي الأخرى تثير إشكالات نابعة أساسا من تشعب علاقة المريض بالطبيب من جهة، وعلاقة المرتفق والمرفق الطبي من جهة أخرى، وأن هذه العلاقة هي الثقة المتبادلة بين كل طرف على اعتبار نبل الخدمة المقدمة للمريض المرتفق والمتمثلة في مهنة التطبيب، إذ اعتبرها بعض الباحثين بأنها علم للوقاية وعلاج أمراض الإنسان، إلا أن هذا العلم مقيد باحترام ضوابطه وأخلاقياته المهنية المستمدة إما من أعراف مهنة الطب أو من الالتزامات القانونية التي وضعها المشرع لتنظيم المهنة.

ذات صلة:تطور قانون المسؤولية المدنية

ولعل الإخلال أو الخروج عن القواعد التي تنظم العمل الطبي أو الإداري بالمرفق العام يرجع إلى أخطاء شخصية تنسب للموظف العمومي أو أخطاء مرفقية ناتجة عن سوء تسيير المرفق العمومي، حيث يترتب عنها تعويض يطالب به المتضرر أمام الجهة القضائية
الطبي المختصة.

ولئن كانت إثارة مسؤولية المرفق العام الطبي بالمغرب عرفت تطورا مرتبطا ببنية المرفق الطبي وإمكانية مساءلته، ففي السابق كانت المنظومة القانونية متأثرة بفكرة عدم مسؤولية الدولة، فإن الأمر حاليا أصبح غير ممكن، أولا لتنامي حضور مبدأ دولة القانون في المجتمع وتكريس ثقافة حقوق الإنسان، خاصة بعد التنصيص الدستوريا على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وثانيا إيمان المواطن أكثر بحقه في التقاضي ضد الدولة مادام أن القانون يطبق سواء أكان على الحكام أم المحكومين.

ثانيا- التطور التاريخي لمسؤولية المرفق العام الطبي بالمغرب:

لاشك أن تطور مسؤولية المرفق العام الطبية بالمغرب كان مرتبط ارتباطا وثيقا بالتحولات التي عرفتها المسؤولية الإدارية في شكلها العام، إذ في السابق أثارت هذه الأخيرة عدة إشكالات متعلقة بمدى استقلاليتها وإمكانية تطبيق قواعد القانون المدني عليها، إلى أن صدر حكم بلانكو في فرنسا سنة 1873 الذي ميز بين القضايا المدنية والقضايا الإدارية وتخلى عن المعيار القضائي الذي يميز بين التصرفات العادية و أعمال السلطة العامة، وبذلك أصبحت فكرة عدم مساءلة الدولة عن أعمال السلطة العامة غير ذات جدوى ومرفوضة.

مسؤولية المرفق العام الطبي بالمغرب: دراسة في النصوص القانونية والاجتهادات القضائية والفقهية

تحميل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى