أطروحات
أخر الأخبار

المنازعات الجبائية في مجال الضرائب المباشرة بالمغرب

إعداد الباحث/ عبد الرحيم التجاني

المنازعات الجبائية في مجال الضرائب المباشرة بالمغرب – الضريبة على الدخل والضريبة على الشركات نموذجا –

مقدمة عامة

شكلت الضريبة خلال مراحل طويلة أساس العديد من الدراسات والأبحاث الجامعية، ليس باعتبارها أقدم وأهم مصدر لتمويل النفقات العامة فحسب، بل لأهمية الدور الذي تلعبه التحقيق أغراض السياسة المالية من جهة، ولما تثيره من مشکلات فنية واقتصادية متعلقة بفرضها، أو بآثارها من جهة أخرى.

وإذا كان فرض الضرائب في العصور الأولى، لم يحتل مكانة مهمة كمورد لخزينة الدولة، نظرا لضألة الأعباء التي تحملتها الدولة المواجهة نفقاتها، إذ لم يكن تعدد الضريبة لازما، فكانت تدفع بذلك عينا من المحاصيل الزراعية أو من خلال تقديم خدمات جبرية کالسخرة أو ضرائب على الرؤوس، لأن هذا النوع من الأشكال الجبائية، كان يتلائم مع طبيعة الاقتصاديات العينية التي كانت سائدة (كنظام المقايضة مثلا).

أما في العصر الإسلامي، فقد استمدت الضريبية أحكامها من القرآن والسنة، ومن قوله تعالى: “وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة” (سورة البقرة الآية 110)، وقوله تعالى “والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم” (سورة المعراج، الآيتين 24 و25) وغيرها من الآيات القرآنية التي تدل على فريضة الزكاة.

وقد ورد التشديد والتغليظ على مانعها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار” (رواه مسلم).

ومن هنا يتبين أن مفهوم الضريبة في الإسلام، يختلف عن المفهوم السائد في الأنظمة الوضعية في العصر الحديث، ويخصوص أنواع الضرائب التي كانت سائدة في العصر الإسلامي فيمكن حصرها في:

الزكاة: وهي اقتطاع إجباري ذكرت في القرآن 82 مرة، واعتبرت حقا للمحتاجين؛

الخراج: وهو ضريبة على الأراضي التي يملكها غير المسلمين وخاصة من أهل الكتاب (مسيحيين ويهود) كما يعرف على أنه اقتطاع عيني يحدده أخصائيون يعينهم الخليفة، حيث توضع العائدات بصندوق الخدمات العامة وتحدد بحسب ، مساحة الأرض المزروعة.

الجزية: وهي مبالغ تفرض على أهل الذمة، أي الناس غير المسلمين والمقيمين في بلاد الإسلام والنصارى والمجوس؛

العشور: وهي ضرائب مفروضة على أمور التجارة الصادرة من البلاد الإسلامية والمصدرة إليها.

أما في العصر الحديث، فقد اعتمدت الدولة على الضريبة بشكل يكاد يكون كليا، ولم تستثن من ذلك إلا بعض الدول ذات الكثافة السكانية البسيطة، والتي تتوفر على ثروات طبيعية تغنيها عن فرض الضرائب، كبعض دول الخليج العربي المنتجة للبترول مثلا، والتي تعتمد على ربع النفط بدلا من تنويع مصادر الدخل، فمع تطور دور الدولة أصبحت هذه الأخيرة مضطرة لإيجاد وسيلة تمويلية تكون أكثر استقرارا ودواما لأنشطتها المتعددة والمتنوعة، الشيء الذي أدى إلى الاهتمام بالضريبة كونها تحولت من أداة تمويلية محضة إلى أداة متعددة الأدوار، فاستخدمت كوسيلة فعالة لتسيير وتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية، لذلك لجأت الدول على اختلاف نهجها الاقتصادي وأنظمتها السياسية إلى إصدار تشريعات وتنظيمات موضوعها فرض الضرائب على الأفراد نتيجة قيامهم بنشاط معين، سواء كانوا عاملين لدى الدولة أو يمارسون مهنة حرة.

ذات صلة:المنازعات في الضرائب العقارية

وانطلاقا من التطور الذي عرفته الضريبة، والذي مس بالأساس أهدافها وأنواعها ووظيفتها، وهذا ما عکس صعوبة اتفاق الباحثين حول مفهومها، وحول أصنافها ووظيفتها، وذلك تبعا لاختلاف النظام الجبائي السائد في كل دولة على حدة، إذ لم يكن مفهوم الضريبة واحدا على مر العصور والأزمنة، فاتخذت الضرائب أشكالا وطرقا متعددة، الشيء الذي جعل الضريبة تتخذ معاني مختلفة، لكن رغم ذلك فقد تناولها فقهاء المالية بالتعريف والتحديد ووضعوا لها مبادئ حسب متطلبات كل مجتمع على حدة، كما حدد لها المشرع الضريبي قواعد قانونية تحدد كيفية فرضها وتصفيتها وتحصيلها،وأحدثت المؤسسات الإدارية والقضائية للسهر على عملية الجباية، والبت في المنازعات التي قد تنشا بين المكلفين والأجهزة الإدارية المكلفة بفرض الضريبة وتحصيلها.

ومن هذا المنطلق،  فالاختلاف حول تحديد مفهوم موحد للضريبة هو ما يبرر شرعية التساؤل عن ماهية الضريبة وعن أصنافها وعن خصائصها ومبادئها وعن وظيفتها، ثم عن المقصود بالنظام الجبائي؟ والتعريف بمبادئه ومرتكزاته.

مفهوم الضريية:

يعتبر موضوع الضريبة من المواضيع التي تشغل بال الحكومات على مر العصور، نظرا لما لها من أثر عميق على أحوال الشعوب سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، فالضريبة هي ذلك الرابط المادي الذي يربط الفرد بحكومته وببقية أفراد المجتمع، وهي في نفس الوقت تشكل أداة سياسية فعالة سواء في المجال المالي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، فهي أداة حكم وإدارة وأداة إصلاح اجتماعي واقتصادي.

فهي أحد أهم أدوات السياسة المالية التي تستخدمها الدول الإدارة اقتصادياتها، فبالإضافة إلى كونها مصدرا هاما من ماصدر الدخل الحكومي، تعتبر الضريبة أداة فعالة الحفز النمو.

وقد عرف نظام الضريبية عدة تحولات بدأت في مراحلها الأولى داخل الجماعات السياسية البدائية، ونتيجة لاستقرار الحياة القبلية ونمو المرافق العامة والحياة الجماعية، فقدت الضريبة صفتها الاختيارية لتصبح إجبارية، كفريضة على الأشخاص أولا ثم تنتقل لتفرض على الأموال ثانيا وأخيرا.

ذات صلة: المطسرة في القانون الضريبي المغربي 

وحاليا أصبحت الضريبة محددة الأبعاد، حيث تناولها الفقهاء بالتعريف والتحديد، ووضعوا لها مبادئ حسب متطلبات كل مجتمع على حدة، فاختلفت سماتها حسب سياق الفكر الضريبي السائد، وحسب اختلاف الأنظمة الاقتصادية الاشتراكية أو الرأسمالية، وحسب درجة النمو الاقتصادي بين مجتمع وآخر.

ونظرا للأهمية الكبيرة التي تحتلها الضرائب في الهيكل الاقتصادي للبلاد، فقد اختلف الاقتصاديون والباحثون في تحديد مفهوم الضريبة وضبطه، فمنهم من يرى أن الضريبة:

– فريضة إلزامية تحددها الدولة ويلتزم المكلف بأدائها بلا مقابل تمكينا للدولة من القيام بتحقيق أهداف المجتمع؛

– الضريبة هي المبلغ المالي الذي تفرضه الدولة وتجبيه من المكلفين بصورة جبرية ونهائية ودون مقابل في سبيل تغطية النفقات العامة”؛

– اقتطاع نقدي ذو سلطة نهائية، دون مقابل منجز لفائدة الجماعات الإقليمية للدولة وجماعاتها المحلية أو لصالح الهيئات العمومية الإقليمية؛

– “الضريبة اقتطاع مبلغ من المال ينفع للسلطة بصفة جبرية لتغطية أعباء الدولة.

– “الضريبة هي فريضة إلزامية وليست اختيارية تحصل من الأشخاص كل حسب مقدرته على الدفع، وليست بقدر استفادته من الخدمات العامة التي تقدمها الحكومة الأفراد شعبها، وبذلك يتضح أنه لا علاقة بين ما يدفعه الشخص من الضرائب ومقدار ما يحصل عليه من الخدمات.

تبعا لما ذكر، فمن خلال هذه التعاريف، التي أعطاها علماء المالية والمفكرين الاقتصاديون للضريبة، يمكن استخلاص تحديد مفهوم الضريبة وبيان خصائصها تمييزا لها عن غيرها من الإيرادات العامة وخصوصا الرسوم، إذ يمكن أن نعرف الضريبة على أنها مبلغ من المال تقتطعه الدولة مباشرة وتجييه من المكلفين سواء كانوا أشخاصا طبيعيين أو معنويين بصفة إجبارية ونهائية لتغطية النفقات العامة.

وقبل استعراض مبادئ الضريبة والخصائص المميزة لها، لابد من تمييزها عن الرسم، وذلك من خلال تحديد أوجه التشابه والاختلاف بينهما.

ذات صلة: الرسم على الاراضي غير المبنية

فبخصوص وجه التشابه بين الضريبة والرسم، أن الرسم والضريبة يتفقان في أن كلاهما مبلغ مالي يفرض جبرا، لكن تختلف الضريبة عن الرسم في أن مبلغ هذا الأخير مقابل خدمة خاصة تؤدي لدافع الرسم فتعود عليه بنفع خاص، في حين أن الضريبة تفرض دون مقابل، اعتبارا لأن المبلغ المؤدی كضريبة من طرف المكلف يعتبر مساهمة منه في تغطية الأعباء العامة؛ إذ يتم فرض الضريبة رغم عدم وجود منفعة أو مقابل مباشر من دفع مبلغها من قبل الأشخاص، ويترتب عن هذا التمييز قاعدة جد أساسية تراعى عند فرض كل من الضريبة والرسم، حيث تؤخذ بعين الاعتبار المقدرة التكليفية للمكلف عند فرض الضريبة بينما لا تتم مراعاة هذه المقدرة بالنسبة للشخص الذي عليه أداء الرسم، لأن القاعدة المطبقة عند تحديد سعر الرسم هو قيمة الخدمة التي يحصل عليها المعني بالأمر بصرف النظر عن مقدرته المالية.

المنازعات الجبائية في مجال الضرائب المباشرة بالمغرب – الضريبة على الدخل والضريبة على الشركات نموذجا –

تحميل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى