في القانونمقالات متنوعة
أخر الأخبار

القراءة من الانفعال إلى الفعل

إعداد الأستاذة/ أولفت حجيلي

القراءة من الانفعال إلى الفعل

 

                                                                                    الأستاذة/ أولفت حجيلي
                                                                                – أستاذة باحثة
                                                                              – عضو في اللجنة الجهوية لتحدي القراءة العربي

 

مداخلة مقدمة بمناسبة الندوة الوطنية الأولى المنظمة من طرف الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين جهة مراكش – اسفي/ بتاريخ 31 مارس 2022.

 تحت عنوان:

“القراءة بين التحفيز والاستمرارية”
– نحو بناء متعلم قارئ –

     سأبدأ من عنوان المسابقة “تحدي القراءة العربي” : فلفظ “التحدي” يحتضن بين أطوائه معاني سامية موصولة باستخراج الخبيء من الطاقات واستفزاز جميع القوى والحواس لكسب الرهان وبلوغ الذروة، أو أقصى ما يمكن من أشواط الموضوع مدار التحدي.

   أما القراءة فتحيل على معاني الجمع والضم والنطق والإبلاغ والشرح والتوضيح وكل ما يدور في هذا الفلك.

 أما قولنا العربي، فدال على الفصاحة والإفصاح والإعراب، ويحيلنا هنا على منزع قومي يستشرف أفق لم الشمل ورأب الصدع، وقبل ذلك إيقاظ الإنسان العربي من غفلته عن فعل القراءة، ومن سنته التي لا تنقطع إلا ليتيه في عتمات وسائل التواصل الاجتماعي وما إليها.

مسابقة تحدي القراءة العربي إذن سحبت عن الحلم أسداله وأنهضته من مراقده الوثيرة، لتنتعش آمالنا من جديد في أن يخرج من غمار هذا الفعل النبيل صُنَّاعُ مجد الأمة من القادة وأرباب الفكر والتدبير.

منذ سنوات قليلة مضت، إذن، هبت الآمال تزيح عن ألحاظها النوم المتقادم والغشاوات الصفيقة.

فلكي نصلح ما تهتك من الأواصر، لردح من الزمن، بين الإنسان العربي والكتاب حتى تصير الأمة التي ستنجم بعدنا أمة قارئة، وتموج مدارسنا ومؤسساتنا التعليمية بالعلم والمعرفة، فلا غنى عن بيان أنماط القراءة، وكيف يؤول الانفعال بالقراءة إلى فعل منتج وخلاق.

يمكن أن أميز في القراءة بين تلك التي تستهدف المتعة والاسترخاء وبين أخرى موسومة بالمنفعة والفعالية.

ففي مجتمعنا المغربي لا نعدم النمط الأول الفاحص عن المتعة أكان ذلك في البيت أو في المقهى أو في المتنزهات، وترتبط هذه القراءة بالجرائد والصحف أساسا، أما النمط الثاني فيجشمك من التعب والنصب ما لا يحتمله إلا من احتلت القراءة كيانه فأقبل عليها كلفا وشغفا. ومع هذه المشقة، فللقراءة جم واف من الفوائد لما تتطلبه من التؤدة في الفحص، وعمق التأمل وطول المدارسة، ودقة الاستنباط.

ولن تتأتى لنا هذه الفوائد إلا باختيار مكان القراءة وهيئة الجلوس مع الحرص على أن تكون القراءة طقسا مقدسا من برنامجك اليومي دون تقييد نفسك بحيز محدد من الزمن اليومي الراتب، وذلك أخذا بنصيحة بشر بن المعتمر، التي تقول : “خذ من نفسك ساعة نشاطك وفراغ بالك وإجابتها إياك، فإن قليل تلك الساعة خير من كثير غيرها”.

وينبغي بالموازاة، الكف عن القراءة فور استشعار التعب أو الملل درءا للإجهاد واستنفاد الطاقة التي قد تسعفك في وقت لاحق زمن الإجابة والمواتاة.

ومن البنود الأساس التي ينبغي أن تجعلها على ذكر منك ترك ما لا تحب إلى ما تحب، وهو ما عبر عنه صاحب الصحيفة بقوله: “التحول من هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك وأخفها عليك.”.

ويمكن أن أضيف:

  • مجابهةَ التعب الوهمي واطراح الأعذار الطارئة المفتعلة التي يكون الهدف المضمر منها هو الهروب من القراءة.
  • ضرورة المراوحة بين فهم المقروء وحفظَ شذرات منه، ولاسيما منها تلك الشذرات الدالة والمؤسسة لفكرة ما أو الحاملة لحكمة أو مثل أو قولة مفصلية، مع الحرص على تذكر الأشياء والأفكار بربطها بعلامات معينة أو مثيرات خاصة.
  • استحضار قوى التأمل كاملة، وتجنب تشتيت الذهن باستعجال الانتهاء من شعيرة القراءة.
  • جعل القراءة وسيلة للمتعة لئلا تنقلب إلى عبء ثقيل. ولا شك أن الممتع يستجلب النافع.  

ويستدرجني ما سلف إلى صورة كان قد تناولها الناقد الفرنسي رولان بارت، وهي صورة لرجل يستلقي على أريكة ويقرأ جريدة تحت ضوء خافت، ما يمنحنا صورة واحدة بأربعة دوال بصرية، هي :

  • دال الرجل : وهو الفاعل في الصورة.
  • دال الأريكة : الذي يحيل على الراحة، على عكس الكرسي أو ما شابه، والذي يدعوك إلى التأهب للجد والاستعداد للعمل.
  • دال الضوء الخافت : الذي يحيل على أجواء مريحة للأعضاء ومهدئة لها، بخلاف الضوء الساطع الذي ينهضك ويمنعك من التراخي.
  • دال الجريدة : الذي يحيل على الرغبة في تزجية الوقت وتعبئة الفراغ، بالنقيض مما يحيل عليه الكتاب مثلا.

ولعل استجماع عناصر الصورة ولملمة أطرافها والتوليف السيميائي بين مذاليها، ينتهي بنا إلى استشفاف لحظة استرخاء.

واضح أن القراءة الاسترخائية والقراءة الجادة التي تقابلها، كلتاهما قراءة انفعالية، غير أن الأولى انفعالية سلبية، والثانية تتخذ الانفعال عتبة إلى الفعل.

فالقراءة الاسترخائية قراءة انفعالية سلبية لأنها تتسم بجملة من السمات، منها: السرعة واللحظية (أي أنها عابرة)، وانعدام التركيز وعدم توافر نية ترسيخ المعلومة، فضلا عن كونها وسيلة لغاية أخرى كالراحة، وتهدئة الأعصاب، أو استدعاء النوم أو انتظار أمر ما.

أما القراءة الفاعلة أو التي تهيئك لتكون فاعلا، فهي بخلاف الأولى تتطلب شروطا، أبرزها :

  • اعتدال إيقاع القراءة حتى تتمكن من حسن الإنصات إلى المقروء وجودةِ فهمه.
  • الصبر على مشاق القراءة وأعبائها النفسية، ولاسيما في بدايات التعامل مع الكتب.
  • التركيز، وعمق التأمل، وعدمُ إغفال أي جزئية من جزئيات الكتاب، لئلا تتلف نسقيةَ القراءة وترابط الأفكار.
  • أن تكون القراءة مقصودة لذاتها، وليست وسيلة إلى هدف محايث.

وفوق ما تقرر، ينبغي أن تتحول القراءة إلى عادة مألوفة، بل إلى متعة مع توالي الأيام والشهور. ولن يتحقق ذلك، قطعا، إلى بعقد وشائج وجدانية بينك وبين الكتاب، حبا له وتذوقا للغة التي كتب بها.

وفي أعقاب هذه الخطى جميعا، ينبغي أن تحرص على تثبيت المقروء عبر حلقات النقاش مع الأصدقاء والزملاء لأنها الوسيلة الأوكد لتثبيت الأفكار.

آنئذ يمكن الحديث عن القراءة الفاعلة، وعن القارئ الفاعل، لأن الدراسات انتقلت ـ كما لا يخفى ـ من الاهتمام بعلاقة النص بمؤلفه إلى الاهتمام بعلاقة النص بقارئه، ولاسيما من المنظور التداولي، الذي ينزع إلى فحص الأثر الذي تخلفه النصوص في متلقيها بعد أن تقطع رحلة مبتدأها حوار مع نصوص سابقة، ومنتهاها حوار مع قرائها.

فمما لا يرقى إليه الشك أن المبدع يقرأ ليكتب، ثم يكتب ليقرأ، في حركة دائرية أو حلزونية، نقطةُ البدء والمعاد فيها هي القراءة التي يعتد بها حافزا يقبع خلف فعل الكتابة، ما يجعلنا نُظَاهِرُ (جان پول سارتر) على رأيه القائل إن “الكتابة بغير القراءة هي مجرد لغو”، ونسلم بمذهب بارت القاضي بضرورة أن “نحسن القراءة لكي نحسن الكتابة“. فلئن كان الأدب “ضميرَ الشعب”، فإن القراءة الفاعلة هي “ضمير الأدب” بلغة الناقد المصري محمود الربيعي.

وبيان أهمية القراءة مرتبط بالجزم والحسم في عدم وجود نص دون قارئ أو متقبل له، فـ “الأثر الأدبي يقترح والإنسان يدبر”، ما يعني أن القارئ هو الذي يرسم آفاق النص ويشحنه بالمعنى، ويستخلص الجهاز المفهومي الثاوي خلف رؤيته الفكرية والمعرفية. وتتضاعف أهمية المتقبل عند مواجهة النصوص المجهولة الباث أو القائل. وهذا ما يجعل الرضى عن المقروء أو السخط عليه أو المراوحة بينهما من المداخل المُفْضِية إلى إنتاج مقروء جديد، ويجعل القراءة ـ تبعا لذلك ـ هي المتحكمة في صناعة رهانات الكتابة، الموصولة بأحد أمرين:

أولهما : موافقة آفاق التوقع لدى القراء لإرضائهم والاستجابة لميولاتهم.

ثانيهما : مخالفة هذه الآفاق، وتكسير ما جرى به الإلف والعادة، بغية خلق جمهور جديد من القراء، والدفع بهم نحو مراجعة مداركهم لتعديل ما ترسخ منها أو تغييره جملة، وذلك بإعادة النظر في عملية الإدراك التي لا تتأتى إلا من مدخلين متآزرين، هما: العقل والحواس.

وهنا، قد يحدث أحيانا أن يكون المتلقي من النمط الذي يرفض تغيير الأفق، لإيمانه المطلق بمداركه وبالأطر الثقافية الحافة بها والحاضنة لها، فتكون النتيجة رفضه للنص المقروء أو الدفع به في حركة عكسية إلى تعديل محتوياته، ليمارس بذلك تأثيرا ارتداديا أو مضادا في النص.

ولا يغنينا هذا عن الإشارة إلى أن الكتاب الذي يفتقد إلى الجاذبية، أو لا يجد القارئُ ميلا إليه، ولا اطمئنانا لمحتوياته، يحسن به أن يطرحه، وينصرف عنه إلى كتاب آخر أكثر جذبا وأقرب رحما بوجدانه.

ولكي لا يستدرج القارئ إلى مثل هذا الوضع الذي يترتب عنه النفور، وضياع الوقت والجهد، حقيق به أن يطرح جملة من الأسئلة، منها: ماذا أقرأ ؟ وكيف أختار ما أقرأ ؟ وما هي نوعية الكتب الكفيلة بتغذية فضولي المعرفي، وإشباع ميولي النفسية والثقافية، وربما الإجابة عن استفهاماتي المؤجلة ؟

بل أكثر من هذا، كيف أقرأ ؟ وكيف أبني شخصيتي من خلال القراءة، وأنمي ذكائي وإمكاناتي العقلية والوجدانية ؟، وما السبيل إلى تحصيل اللذة المُسْعِدَةِ من خلال فعل القراءة؟، ولماذا تستمد النصوص والأعمال قيمتها، بل تضمن خلودها من مدخل القراءة ؟

نظائر هذه الأسئلة هي اللبنات الأولى لبناء جسور الفاعلية، وصياغة فصول حكاية التحول من قارئ مبتدئ، وربما ساذج، ينجز أوائل خطوه مع عالم الكتاب إلى كاتب محترف، مع تراخي الزمن، له بصماته في دنيا الإبداع والمعرفة، وله جمهوره الذي يتعقب كتاباته بشوق، ويتوق، دوما، إلى إطلالاته وجديد إصداراته.   

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى