أطروحات
أخر الأخبار

أثر الفقه المالكي في القانون المدني الفرنسي

إعداد الطالب / حمزة بن خدة

أثر الفقه المالكي في القانون المدني الفرنسي – العقد نمودجا –

توطئة:

مما لا شك فيه بداية، أن التساؤل عن وجود صلة بين قانون نابليون والفقه المالكي ظل حبيس جدل تاريخي لعقود من الزمن، ذلك أن النكران فيه يتأرجح بين باحث مقدس لقانون مدني فرنسي درج على اعتباره فريدا من نوعه متجاوزا حدود زمانه ومكانه، فضلا عن تصور نسبة جذوره وأحكامه لفقه حضارة غيرت معالم حضارته. وبين مشكك في جدوى الربط بين قانون بشري وفقه إسلامي استمد أهم أحكامه من وحي سماوي.

أما جذور هذا الأخذ والرد، فتعود بدايتها لتشكيك بعض المستشرقين في أصالة الفقه الإسلامي كله، وعدم قابليته للتطور من خلال القول بنظرية جمود الفقه الإسلامي، لاسيما أن تطوره كان حبيسا على أيامه الأولى، ثم ضعفت هذه الحركة بعد انتشار التقليد وغلق باب الاجتهاده، وهو ما ينسف كل محاولة للقول بتأثير الفقه الإسلامي على غيره من النظم والقوانين.

وفي ذات السياق، سعی فقهاء المدرسة الاستعمارية في كلية القانون الإسلامي في جامعة الجزائر إلى ترسيخ هذه النظرية في العهد الاستعماري، حيث حاولوا أن يجعلوا من الفقه الاسلامي مجرد قانون جامد يعتمد على الفلكلور والأعراف والأفكار
الدينية. هنا عمدوا إلى محاولة إدخاله في النظام القانوني الفرنسي، وجعله يدور في دائرة فلسفة قانون نابليون، خدمة للأفكار الاستعمارية وتضييق مجال تطبيق الشريعة الإسلامية.

وقبل الرد على هذه الشبهة، يجدر الإشارة في البداية إلى أن الفقه الإسلامي نظام روحي و مدني معا، حيث جاء الإسلام بنظام قانوني مدني يتضمن تشريعا شاملا لجميع المبادئ القانونية المنظمة لعلاقة الناس ببعضهم البعض، وعلاقتهم بالسلطة
الحاكمة، والأمن العام، وصيانة الحريات والحقوق العامة بفرعيها الداخلي ( الدستوري والإداري )، و الخارجي ( الدولي )

ثم إن تطبيق الأسس القانونية كالمصالح المرسلة، والعرف، وسد الذرائع، والقياس، وغيرها من المصادر الاجتهادية الخصبة، تجعل الفقه الإسلامي في النمو المستمر، والتطور الدائم، والصلاحية للبقاء ومواجهة تطورات المجتمع المعاصر في إطار الملائمة لروح النص التشريعي، والمقاصد الشرعية.

ويكفي هنا أن نذكر أن قرارات مؤتمر لاهاي للقانون المقارن المنعقد عام 1937، جاءت معترفة بحيوية الشريعة الإسلامية وقابليتها للتطور، واستقلالها عن غيرها من التشريعات، وصلاحيتها لأن تكون مصدرا من مصادر التشريع عامة.وكذلك قرارات مؤتمر المحامين الدولي المنعقد في لاهاي عام 1948، حيث اعترفت هي الأخرى بما للتشريع الإسلامي من مرونة وأهمية، موصية اتحاد المحامين الدولي بأن يتبنى الدراسة المقارنة لهذا القانون والتشجيع عليها.

ذات صلة:أزمة العقد

وتجلت قيمة الفقه الإسلامي كذلك في مؤتمر القانون المقارن الذي انعقد في بروکسل ( بلجيكا ) سنة 1958، حيث قرر أن الفقه الإسلامي بمذاهبه العديدة يستطيع الاستجابة لجميع مطالب الحياة الحديثة، والتوفيق بين حاجاتهما. بالإضافة إلى حصوله على اعتراف جمهور رجال التشريع في العالم بكل روح علمية على أنه أوسع وأعظم فقه قانوني عرف إلى اليوم في تاريخ الشرائع، حيث يقول المستشرق المحري ( قمبري ) :” إن فقهكم الإسلامي واسع جدا إلى درجة أني أعجب كلما فكرت في أنكم لم تستنبطوا منه الأنظمة والأحكام الموافقة لبلادکم وزمانكم”. وبالإضافة إلى ذلك، أعلن الفقيه الفرنسي الكبير ” لامبير LAMBERT ” في المؤتمر الدولي للقانون المقارن الذي انعقد في لاهاي 1923 تقديره الكبير للفقه الإسلامي.

كما يعتبر الاجتهاد من مصادر القوة والمرونة في الفقه الإسلامي، فحتى وان كانت القاعدة الشرعية تقضي ب:” لا اجتهاد مع نص “، إلا أنه من الممكن تفهم النص الشرعي في إطار مقاصده المعينة والمصالح الجماعية للناس. فكان من حق المجتهد أن يفسر هذه النصوص الثابتة وفقا لقواعد التفسير المقررة، مراعيا في ذلك ظروف العصر، وتطوراته، ومشاكله، لإخراج أحكام جديدة تلائم الوقائع الجديدة. وقد فهم الخلفاء الراشدين النصوص الشرعية في إطار غاياتهما، فأوقف الخطاب قطع يد السارق لعدم تحقق القصد الجنائي عنده، ورفض إعطاء المؤلفة عمر بن رضي الله عنه قلوبهم من أموال الزكاة لعدم حاجة ذلك الوقت إليها.

” ويرى علماء أصول الفقه أن الأحكام التي تناولها القرآن جاءت في شكل قواعد كلية ومبادئ عامة في أغلب الأحيان، وهذا كي تتسع أحكام الشريعة لجميع حاجات الناس في مختلف العصور والبقاع بإعمال المجتهدين لعقولهم واستنباطهم الأحكام الجديدة التي تساير كل زمان ومكان، حسب مصالحهم وفي حدود أسس القرآن من غير اصطدام بحكم جزائي فيه”.

ولقد اهتم المجتهدون بتخريج الكثير من المسائل الجديدة وفقا لقواعد الفقه الإسلامي وأصوله كما فعل السابقون، وخير نموذج لذلك في العصر الحديث، ما تعلق مثلا: بالإجهاض، نقل الأعضاء البشرية، التلقيح الاصطناعي… الخ.

ذات صلة:تطور قانون المسؤولية المدنية

ثم بالإضافة إلى شبهة التشكيك في أصالة الفقه الإسلامي كما سبق، حاول البعض الآخر من المستشرقين الطعن في استقلالية الفقه الإسلامي من خلال القول بتأثره بالقانون الروماني مصدر القانون الفرنسي التاريخي، حيث ذهب المستشرق الإنجليزي ( شیلدون آموس ) إلى أن الشرع المحمدي ليس إلا القانون الروماني ( مدونة جستنيان ) في لباس عربي معدلا وفق الأحوال السياسية في المملكات العربية.

أثر الفقه المالكي في القانون المدني الفرنسي – العقد نمودجا –

تحميل الأطروحة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى